منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

تراتيل الخيانة.. حين يخرج القرار من الوطن ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف في السودان، صارت للسياسة علاقة غريبة بالطيران.

0

راتيل الخيانة.. حين يخرج القرار من الوطن
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف*
في السودان، صارت للسياسة علاقة غريبة بالطيران.

كلما قيل إن هناك حوارا سودانيا، بحث المواطن تلقائيا عن رقم الرحلة.
وكلما قيل إن الحل يجب أن يكون من الداخل، بدأ بعض السياسيين في التأكد من صلاحية جواز السفر.
أما إذا سمعت عبارة: “عملية سياسية بملكية سودانية خالصة”، فالأفضل أن تسأل مباشرة:
في أي فندق؟
وفي أي عاصمة؟
وعلى حساب من؟
فقد تطورت السياسة السودانية تطورا مذهلا، حتى أصبح بعض أهلها يؤمنون بأن أقصر طريق إلى الخرطوم يمر عبر مطار أجنبي.
الوجوه سودانية.
الأسماء سودانية.
الجلابيب سودانية.
اللهجات سودانية.
المشكلة سودانية.
الضحايا سودانيون.
والخرائط الموضوعة فوق الطاولة للسودان.
لكن الطاولة نفسها، لسبب فلسفي لم نفهمه بعد، لا بد أن تكون خارج السودان.
وهنا تبدأ التراتيل.
الترتيلة الأولى:
الحل سوداني سوداني.
ممتاز.
الترتيلة الثانية:
العملية السياسية بملكية سودانية كاملة.
أحسنتم.
الترتيلة الثالثة:
الخارج مجرد ميسر.
عظيم جدا.
ثم تفتح الستارة، فتجد “أصحاب الملكية السودانية” مجتمعين في الخارج، مع الميسر الخارجي، وتحت الرعاية الخارجية، ليناقشوا مستقبل الداخل السوداني.
فتحتار:
من المالك هنا؟
ومن المستأجر؟
ومن يحمل المفتاح؟
ومن يدفع الإيجار؟
ومن الذي يسكن الوطن أصلا؟
يا للعجب.
حتى الحوار داخل السودان، أصبح يحتاج إلى اجتماع خارجي لتحديد ما إذا كان مناسبا أن يتحاور السودانيون داخل السودان!
وهذه، في تقديري، واحدة من أعظم المساهمات السودانية في علم السياسة الحديث.
فقد كان العالم يعرف الحوار الداخلي والحوار الخارجي.
أما نحن فقد اخترعنا:
“الحوار الداخلي الذي يحتاج إلى إذن خارجي”.
وسيأتي يوم، على هذا المنوال، ربما نحتاج فيه إلى مؤتمر دولي لمناقشة جدوى عقد المؤتمر الوطني داخل الوطن.
ثم يحدثونك، بكل جدية، عن “الملكية السودانية”.
ملكية ماذا يا سادة؟
هل أصبحت السيادة شهادة تسجيل عقار؟
هل نحتاج إلى محام ومراجع أراض لإثبات أن القرار الوطني ملك للسودانيين؟
الملكية الوطنية ليست لافتة تعلق خلف المنصة.
وليست جملة تزين البيان الختامي.
وليست كلمة إنجليزية أنيقة يرددها المبعوث ثم يترجمها لنا السياسي باعتزاز.
الملكية الوطنية ببساطة أن يكون القرار سودانيا.
أن يكون الشعب مرجعه.
أن تكون الدولة سقفه.
أن يكون القانون طريقه.
وأن يكون الخارج مساعدا، لا صاحب النسخة الأصلية من المفتاح.
لكن بعض أهل السياسة عندنا لديهم فهم آخر تماما.
إذا لم يسمعهم المواطن، بحثوا عن سفير.
إذا لم يصفق لهم الشارع، بحثوا عن مبعوث.
إذا لم يجدوا جمهورا في الداخل، وجدوا قاعة مؤتمرات في الخارج.
إذا ضعفت شرعيتهم بين الناس، رفعوا مستوى العلاقات الدولية.
وإذا ضاقت بهم الخرطوم، اتسعت لهم صالات الفنادق.
السياسة عند هؤلاء ليست فنا للوصول إلى المواطن.
إنها فن الوصول إلى بوابة المغادرة.
ولهذا أصبح المطار، عند بعض النخب، أهم من السوق.
وصالة كبار الزوار أهم من ميدان عام.
والصورة مع المبعوث أهم من مصافحة المواطن.
ثم يعودون إلينا ببيان طويل جدا.
بيان يحتاج إلى لجنة لتفسيره.
ولجنة ثانية لتفسير تفسيره.
يقول البيان في سطره الأول إن العملية “سودانية خالصة”.
فتبحث عن السودان بين الصور فلا تجده.
تجد منظمة.
ومبعوثا.
وراعيا.
وفندقا.
وأعلاما.
وطاولة مستديرة.
لكن السودان نفسه يبدو كأنه اعتذر عن الحضور لأسباب طارئة.
وهنا تبلغ السخرية درجة تحتاج معها السياسة السودانية إلى طبيب.
فالخالص عندنا أصبح يحتاج إلى ختم أجنبي ليثبت أنه خالص.
والوطني يحتاج إلى مؤتمر خارج الوطن كي يحصل على شهادة حسن وطنية.
والسيادة تحتاج إلى بيان صادر من الخارج يطمئننا بأنها ما زالت، بحمد الله، في الداخل.

والشرعية، التي كنا نظن أنها تصنعها إرادة الناس، أصبح بعضهم يبحث عنها في بطاقة صعود الطائرة.
ولكي نكون منصفين:
نحن هنا لا نتحدث عن خيانة قانونية.
ولا نصدر أحكاما على أحد.
ولا نوزع صكوك الوطنية.
نحن نتحدث عن شيء آخر:
خيانة المعنى.
خيانة فكرة أن السياسة تبدأ من الشعب.
خيانة فكرة أن الوطن ليس ملف PDF ينتقل من عاصمة إلى أخرى.
خيانة فكرة أن السيادة لا تستأجر بالساعة.
وخيانة الفكرة الأبسط:
إذا أردت أن تصنع مستقبل السودان، ابدأ بالسودانيين.
لكن يبدو أن بعض أهل السياسة اكتشفوا قانونا جغرافيا جديدا:
الخط المستقيم ليس أقصر مسافة بين نقطتين.
أقصر طريق من السياسي السوداني إلى شعبه يمر أولا عبر عاصمة أجنبية.
مرة عن طريق مؤتمر.
مرة عن طريق منظمة.
مرة عن طريق ورشة.
مرة عن طريق “مشاورات أولية”.
مرة عن طريق “اجتماع تحضيري”.
ومرة عن طريق “خريطة طريق”.
والله وحده يعلم كم بقي لنا من الخرائط حتى نعثر على الطريق.
فمن كثرة خرائط الطريق، ضاع الطريق نفسه.
نحن شعب أصبح يخشى من كلمة “خريطة طريق”.
فكلما ظهرت خريطة جديدة، اكتشف المواطن أن الطريق مرسوم فوق ظهره.
ثم يقولون لك:
نذهب إلى الخارج لنشرح موقفنا للعالم.
جميل جدا.
اشرحوا.
لكن لدي سؤال صغير، قد يبدو متطرفا في زمن المؤتمرات:
من يشرح موقفكم للشعب؟
من يذهب إلى المواطن الذي خرج من بيته فلم يجد البيت عندما عاد؟
من يشرح للنازح معنى “تصميم العملية السياسية”؟
هل يستطيع أحد أن يشرحها له من دون بوربوينت؟
من يذهب إلى الأم التي فقدت ابنها ويشرح لها موقعها في خريطة الطريق؟
هل هي بند؟
ملحق؟
هامش؟
أم أنها تحتاج إلى اعتماد من الجلسة القادمة؟
ومن يسأل الجندي الذي حمل الدولة على كتفه عندما كان البعض يحمل حقيبة السفر:
ما رأيك في مستقبل الدولة التي دافعت عنها؟
ومن يسأل المواطن البسيط السؤال الذي هربت منه السياسة طويلا:
ماذا تريد أنت؟
هذه الأسئلة، بالمناسبة، لا تحتاج إلى تأشيرة.
ولا تحتاج إلى قاعة خمس نجوم.
ولا إلى بوفيه مفتوح.
ولا إلى سماعات ترجمة فورية.
ولا إلى صورة جماعية ترفع فيها الأصابع بالطريقة التي يحبها المصور.
تحتاج فقط إلى شيء نادر:
شجاعة مواجهة الشعب.
والشعب السوداني، بالمناسبة، ليس عدوا للعالم.
ولا يريد أن يعيش داخل سور.
ولا يرفض الوساطة لمجرد أنها وساطة.
ولا يعترض على مساعدة دولية حقيقية تعينه على وقف الحرب وإعادة البناء وتحقيق السلام.
لكن الفرق كبير جدا بين أن يساعدك العالم، وأن يحل محلك.
بين أن يكون شاهدا، وأن يصبح وصيا.
بين أن يسهل الحوار، وأن يصمم لك الحوار ثم يسلمك النسخة النهائية ويطلب منك التوقيع في أسفل الصفحة.
نريد العالم صديقا للسودان.
لا مديرا عاما للسودان.
نريده داعما.
لا ولي أمر.
نريده أن يفتح أبواب السلام.
لا أن يحتفظ بمفتاح القرار.
فالسودانيون ليسوا قصرا سياسيا يحتاجون إلى وصي.
والسودان ليس تركة عائلية يجتمع الورثة في الخارج لتقسيمها.
والدولة ليست شركة متعثرة عين لها مجلس إدارة مؤقت من خارج المساهمين.
والشعب ليس “مجموعة أصحاب مصلحة” كما تحب بعض التقارير أن تسميه.
هذا شعب.
وله تاريخ.
وله ذاكرة.
وله رأي.
وله أيضا، وهذه هي المشكلة بالنسبة لبعض السياسيين، قدرة عجيبة على التذكر.
ذاكرة السوداني ليست قصيرة إلى الحد الذي يتخيله البعض.
يعرف من كان معه عندما كانت البلاد تحترق.
ويعرف من غاب.
ويعرف من تكلم.
ويعرف من صمت.
ويعرف من كان يحدثه.
ويعرف من كان يحدث العالم عنه.
ويعرف كذلك أولئك الذين لم يعرفوا الطريق إليه، لكنهم عرفوا مواعيد الطائرات بدقة شديدة.
ومع ذلك، فالمطلوب ليس إغلاق المطارات.
اطمئنوا.
ولا مصادرة الجوازات.
ولا إقامة سور حول السودان.
ولا إعلان الحرب على المؤتمرات.
كل المطلوب هو إعادة ترتيب الأشياء إلى وضعها الطبيعي.
السودان أولا.
ثم العالم.
الشعب أولا.
ثم المبعوث.
الإرادة الوطنية أولا.
ثم الوساطة.
القرار السوداني أولا.
ثم التصفيق الدولي إن أراد.
أما أن نعكس المعادلة، ثم نطلب من المواطن أن يفرح لأننا حققنا “الملكية الوطنية”، فهذه تحتاج إلى تعريف جديد للملكية.
إن سودانية الحوار لا تحددها أسماء المشاركين.
ولا ألوان جوازاتهم.
ولا عدد المرات التي يقولون فيها كلمة “الوطن”.
سودانية الحوار تحددها المرجعية.
من جعل السودان مرجعه، والشعب حكمه، والقانون وسيلته، والدولة إطاره، والسيادة خطه الأحمر، فهو شريك في مستقبل السودان.
حتى لو اختلف معنا.
بل ليختلف معنا كما يشاء.
فالاختلاف السياسي ليس خيانة.
والمعارضة ليست جريمة.
والرأي الآخر ليس مؤامرة لمجرد أنه آخر.
لكن الخلل يبدأ حين يصبح الخارج محكمة الاستئناف العليا للسياسة السودانية.
حين يصبح رضا العاصمة الأجنبية أهم من رضا المواطن.
حين ينتظر السياسي إشارة من المبعوث قبل أن يسمع إشارة الشارع.
حين يصبح ظهوره في قاعة دولية أهم من ظهوره بين أهله.
وحين يتحول الوطن من مرجعية إلى موضوع نقاش.
أما الذين لا يعرفون طريق السودان إلا عبر صالة المغادرة، فنذكرهم بمعلومة جغرافية بسيطة:
الخرطوم ليست محطة ترانزيت.
والسودان ليس “وجهة لاحقة”.
والشعب ليس بندا في جدول الأعمال.
هذا وطن.
والوطن لا يسترد من صالات المغادرة.
ولا تصنع شرعيته أختام الجوازات.
ولا تزيد وطنية الفكرة بعدد الأختام الموجودة في الجواز.
ولا يصبح السياسي أقرب إلى الشعب كلما زادت أمياله الجوية.
فلو كانت كثرة السفر تصنع الشرعية، لكان الطيارون أكثر السياسيين استحقاقا للحكم.
ولو كانت الفنادق تصنع السيادة، لكانت شركات السياحة من مؤسسات الحكم الانتقالي.
ولو كانت المؤتمرات تصنع الأوطان، لكنا اليوم أعظم دولة في التاريخ، فقد عقدنا من الاجتماعات ما يكفي لتأسيس قارة كاملة.
لكن الدول، للأسف، لا تبنى بأساور الفنادق.
ولا تستعاد بالبيانات الختامية.
ولا تحكم بخريطة طريق تجهل موقع المواطن.
الدولة تستعاد حين يعود القرار إلى أهله.
حين يجلس السوداني مع السوداني.
يتجادلان.
يختلفان.
يرفع أحدهما صوته.
ويرفض الآخر.
ثم يعودان في النهاية إلى مرجع واحد:
السودان.
لا إلى مكتب المبعوث.
ولا إلى بهو الفندق.
ولا إلى جدول الرحلات.
نريد حوارا سودانيا لا يحتاج إلى مترجم ليعرف السوداني ماذا يريد السوداني.
نريد سلاما لا تصل تعليماته مع البريد الدبلوماسي.
نريد عملية سياسية لا تحتاج إلى ختم دخول وخروج كي تثبت أنها وطنية.
نريد من العالم أن يقف معنا.
لا أن يقف مكاننا.
فالسودان لا يدار من خارجه.
والسيادة لا تستعار.
والشرعية لا تشحن بالطائرات.
والإرادة الوطنية ليست حقيبة يد توضع في الخزانة العليا للطائرة ثم تسترد عند الوصول.
والقرار، مهما طاف بالعواصم، ومهما دخل الفنادق، ومهما حضر المؤتمرات، ومهما التقط الصور التذكارية…
لا بد أن يعود في النهاية إلى عنوانه الصحيح.
عنوان لا يحتاج إلى نظام ملاحة.
ولا خريطة طريق.
ولا وسيط.
ولا تأشيرة.
عنوانه:
السودان.
وهنا تنتهي التراتيل.
أو ربما تبدأ ترتيلة أخيرة:
أيها السادة…
رجاء تأكدوا قبل الإقلاع،
أن الوطن ما زال معكم،
ولم تتركوه في صالة المغادرة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.