أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٦٦) د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٦٦)
د. ياسر محجوب الحسين
تتمايل أمواج ناعمة اليوم على شاطئ الزمالة الصحفية، حاملة تلغرافين مختلفين في النبرة متّحدين في الصدق: واحد انطلق من مأساة التهجير والإسبستوس ليصنع تحقيقا وجائزة ومشروعا للأطفال، وآخر حمل لقب والده المدرّس وصوت الغناء وهمّ الزراعة والمكفوفين.
هنا تلتقي النوبية التي حوّلت الألم إلى رسالة، بابن أرض المحنة الذي جمع بين الخبر والغناء والطين. موجتان ترويان كيف تكون الصحافة امتدادا للحياة لا مجرد مهنة.
هيا نصغي.. فالشاطئ ما زال يتسع لقصص جديدة.
نبوية سر الختم
الاسم الكامل نبوية سر الختم صالح داؤد. من وادي حلفا أصلا، وُلدت في الأبيض حي البترول، حيث كان والدها يعمل في النقل الميكانيكي، ثم انتقلت الأسرة إلى الخرطوم وهي دون الثالثة، فنشأت فيها حتى فرّقتها الحرب. كان ارتباطها بحلفا الجديدة، الموطن البديل، يتجدّد في إجازات الحصاد، بينما ظلّت حكايات التهجير و«قضية الإسبستوس» وانتشار السرطانات هناك الدافع الأقوى لدخولها عالم الصحافة بعد التخرج.
دخلت «الصحافة» في نوفمبر 2006 عبر الأستاذة فكرية أبا يزيد والأستاذ أسامة أبو شنب رحمه الله. كان أول عمل لها تلخيص كتاب فكري أبو القاسم «الخطيئة والقربان» الذي اشترته بخمسة جنيهات من الكتب المفروشة في السوق العربي. أعجب مسؤول القسم الثقافي مجذوب عيدروس بموهبتها، فخصّصها لمتابعة الندوات والفعاليات. أجرت حوارا نوبيا خالصا مع الفنان محمد وردي نال إعجابه، وقال إنه لأول مرة يُحاوَر بهذه الطريقة. بدأت بتحقيق عن مركز صحي أمام منزلها مكّن لجنة الحي من انتزاعه، فانطلقت في عالم التحقيقات مع أمير عبد الماجد وسلمى فتح الباب، وغطت قضايا الأطفال والنساء واغتصاب الأطفال، فنالت جائزة حقوق الطفل من اليونيسف، وساهمت في الورش التي مهّدت لقانون الطفل 2008.
عملت في صحف؛ «الشاهد» و«الصيحة» و«القرار» في التحقيقات، وفي قناة «سودانية 24» في برنامجي «حال البلد» و«مانشيتات سودانية»، وراسلت منصة «صوت» من الإمارات. أسست مشروعا تربويا وإعلاميا تحت اسم Miss Nob Siry: بودكاستين (Reset Kids وGrow Confidently) وكلاسين روم (Learn Confidently وLife Lessons)، ولها أربعة كتب أطفال منشورة، وقناة قيد الإنشاء باسم For Sudan’s People. اختيرت ضمن دفعة 2026 لمكثّف القيادة النسائية (Women’s Leadership Accelerator) الذي تنظمه جمعية الأخبار عبر الإنترنت (ONA).
إنها نبوية سر الختم: صحفية نوبية حملت همّ المهجّرين والطفل والمرأة، فحوّلت الألم الشخصي إلى تحقيقات ومبادرات وكتب للأجيال الجديدة.
محمد جادين
اسمه الحقيقي في المستندات محمد أحمد علي، لكن الوسط الصحفي يعرفه بـمحمد جادين، لقب والده الذي أفنى حياته مدرّسا. من المناقل بولاية الجزيرة، من قرية طيبة الشيخ المكي، خريج جامعة الخرطوم كلية الآداب بمرتبة الشرف، متخصص في الإعلام والتاريخ.
بدأ متدربا في «ألوان» أواخر 2007، ثم انتقل منتصف 2008 إلى «الصحافة» حيث اقترح عليه الراحل حسن البطري استخدام اسما قصيرا، فاستعار لقب والده وظلّ به يُعرف. عمل في صحف؛ «الأخبار» و«التغيير» و«الصيحة» و«اليوم التالي»، وفي قناتي «الشروق» و«سودانية 24»، وراسل مواقع عربية وأجنبية.
جانب آخر قلّما يعرفه الناس: انخرط أثناء الجامعة وبعدها في الوسط الفني، كان مغنيا وعضوا في كورال كلية الآداب، وأصبح «فنان الصحفيين» يُحيي مناسبات الزملاء وأعراسهم، وظهر في قنوات وإذاعات، ثم ترك المشروع الفني إرضاء لوالدته التي كانت تغضب من ظهوره، فاكتفى بالغناء لنفسه وفي جلسات الأصدقاء المحدودة.
يحب الزراعة حبا جما، وينزل في الخريف إجازة ليحمل الطورية، مقتنعا أنها المخرج الأول لمحنة اقتصاد البلاد. يهتم بالعمل الإنساني والتطوعي، خاصة مناصرة قضايا المكفوفين.
إنه محمد جادين: صحفي تشكّلت تجربته في غرف الأخبار، وفنان ترك المسرح إرضاء لأمه، ومزارع يرى في الأرض خلاصا، فجمع بين القلم والغناء والطين في شخصية واحدة دافئة.
