أمواج ناعمة ستات الشاي.. ورقة سياسية!! د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
ستات الشاي.. ورقة سياسية!!
د. ياسر محجوب الحسين
أثار حديث الرئيس عبد الفتاح البرهان مؤخرا مع ستات الشاي والأطعمة في المجلس التشريعي موجة اهتمام واسعة. أعلن البرهان عن إقامة 3500 كشك مخصص لهن في ولاية الخرطوم لتحسين المظهر العام، مع منع الرسوم والجبايات. جاء ذلك بعد حملات تنظيمية متكررة لها مبرراتها الموضوعية نفذتها ولاية الخرطوم في الفترة الأخيرة بعد دحر وطرد مليشيا الدعم السريع من العاصمة، وهي مشكورة عليها ولا ذيول سياسية لها وقد شملت منع البيع في الطرق الرئيسية والميادين وإزالة العشوائيات والكافيهات غير المرخصة، ضمن جهود إعادة تأهيل العاصمة بعد الحرب.
لم تتعرض فئة اجتماعية للمزايدات السياسية كما يحدث مع ستات الشاي. وخاضت كذلك بعض المنظمات الدولية المرتبطة بأجندات سياسية غربية في خضم هذه المزايدات، مستغلة ملامحهن الاجتماعية التي تُصور على أنها تمثل «الهامش». هذه الفئة، التي تضم نساء فقيرات في الغالب من الأرامل والمطلقات والنازحات من مناطق النزاع، أصبحت هدفا للجدل المستمر منذ تسعينيات القرن الماضي.
لا شك أن القلق الأمني حقيقي. بسبب ضعفهن الاقتصادي وقابليتهن للاستغلال، فقد ارتبطت مجموعات منهن بمخالفات قانونية، خاصة في مجال المخدرات وتعرضن للابتزاز من قبل مرتادي الإجرام. خلال حرب مليشيا الدعم السريع على الدولة منذ أبريل 2023، زاد التوجس بعد تقارير عن استغلال بعضهن في التجسس والعمل الاستخباري من جانب المليشيا، ما عزز المخاوف الأمنية تجاه هذه الفئة في مناطق السيطرة والعودة.
بعيدا عن المزايدات، فهن فئة مجتمعية فقيرة اضطرتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعمل في مهنة لا تحتاج مدخلات مكلفة أو شهادات مهنية أو خبرة. أعدادهن في الخرطوم تجاوزت في دراسات سابقة 14 ألفا، ووصلت تقديرات أخرى إلى عشرات الآلاف، غالبيتهن نازحات من الريف أو مناطق النزاع. من بينهن شريفات أعالن أسرهن وربين أبناءهن وعلمنهم، في غياب نظام رعاية اجتماعية فعال من الدولة أو من منظمات المجتمع المدني. المهنة، التي بدأت تبرز في الثمانينيات والتسعينيات مع المجاعات والنزوح، أصبحت معلما اجتماعيا وملتقى شعبيا.
مع الاعتراف بالجوانب الإنسانية، تظل الهواجس الأمنية قائمة ولا يجوز إغفالها. التعامل معهن يتطلب توازنا محكما بين مسؤولية الدولة في الرعاية والتنظيم، ومنع استغلالهن من معتادي الإجرام العادي أو السياسي. إن إعلان البرهان عن الأكشاك يمثل محاولة في هذا الاتجاه، شرط أن يُنفذ بعيدا عن الاستغلال السياسي.
وفي سياق تحسين أوضاعهن وتنظيم عملهن، يُذكر أن مجموعة من السياح الأوروبيين زاروا الخرطوم وسألوا مرافقهم السوداني، عندما شاهدوا مجموعات من المواطنين تلتف حول ستات الشاي في أوقات الدوام، مستغربين: لماذا يجلسون هكذا؟ في إشارة إلى أن ذلك تعطيل عن العمل ومظهر غير مقبول. وتساءلوا: لماذا لا يشتري كل واحد كوب الشاي ويغادر مباشرة لحاله؟ والملاحظ في أوروبا أن الناس في الصباح يحملون أكواب القهوة وهم متجهون للعمل، سواء في المواصلات العامة أو في سياراتهم الخاصة. فهل فكرت الدولة، ضمن تحسين أوضاع ستات الشاي، في توفير أكواب ورقية صديقة للبيئة تدعم فكرة عدم الجلوس حولهن بالمنظر التقليدي المخجل؟ هذا الإجراء البسيط يمنع جرائم المخدرات والجرائم المنافية للقيم الاجتماعية، ويحد من إهدار وقت العمل، ويساعد ستات الشاي على تحديث عملهن، ويلغي في الوقت نفسه بند غسيل كبابي الشاي لديهن.
هناك فئات أخرى تحتاج رعاية الدولة أكثر، لكنها بعيدة عن الأضواء لأنها غير جاذبة للمزايدات السياسية. خريجو الزراعة والمزارعون، عماد الاقتصاد السوداني، يعانون إهمالا رسميا وروتينا حكوميا وضرائب عشوائية، دون تنمية مهارات أو حلول لمعوقات الإنتاج. هؤلاء وغيرهم يسحقهم الإهمال، بينما تُستهلك الطاقات في جدل حول فئات هامشية ظاهريا.
الحل يكمن في سياسات متوازنة: تنظيم آمن، دعم اقتصادي حقيقي، ومحاربة الاستغلال بكل أشكاله، دون تحويل الفقر إلى ورقة سياسية.
