منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

إذا كان الحزب لا يستطيع خدمة السودان… فالاستقالة واجب؟ بقلم : حسبو علي بخيت

0

إذا كان الحزب لا يستطيع خدمة السودان… فالاستقالة واجب؟
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

لم يكن تصريح نائب رئيس حزب الأمة القومي المكلف، الدكتور إبراهيم الأمين، بأن «حزبنا بشكله الحالي لا يستطيع تقديم أي خدمة للسودان» مجرد عبارة عابرة في حديث سياسي، بل هو اعتراف بالغ الخطورة، لأنه صدر من قيادي في قمة هرم أحد أعرق الأحزاب السودانية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، بلا عواطف سياسية ولا مجاملة: إذا كان الحزب، بشكله الحالي، عاجزاً عن تقديم أي خدمة للسودان، فما الذي يبقي عليه بشكله الحالي؟ ومن المسؤول عن هذا العجز؟
السياسة ليست نادياً اجتماعياً مغلقاً، ولا إرثاً عائلياً تتوارثه الأجيال، ولا مقاعد محجوزة لشخصيات بعينها إلى أجل غير مسمى. الحزب السياسي في جوهره مؤسسة وطنية، وظيفتها أن تنتج الأفكار، وتصنع القيادات، وتقدم البرامج، وتدافع عن مصالح الشعب، وتفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة.
أما أن يصل الحزب إلى مرحلة يقول فيها أحد قياداته إن الحزب نفسه لا يستطيع تقديم شيء للسودان، فهذه ليست شهادة ضعف فحسب، وإنما تستوجب وقفة مراجعة تاريخية وأخلاقية وسياسية.
والسؤال الأكثر إلحاحاً: هل المشكلة في الحزب أم في الأشخاص الذين ظلوا يمسكون بمفاتيحه؟
لقد دفعت الأحزاب السودانية، بمختلف مدارسها واتجاهاتها، ثمناً باهظاً بسبب الجمود الفكري والسياسي، واحتكار القرار، واستمرار بعض القيادات في مواقعها لسنوات طويلة، حتى تحولت الأحزاب في كثير من الأحيان من مؤسسات سياسية متجددة إلى هياكل تنتظر عودة الماضي بدلاً من صناعة المستقبل السياسي والفكري في الدولة السودانية.
لقد تغير السودان، وتغير المجتمع، وتغيرت أدوات السياسة، وتغيرت الأجيال، بينما ظلت قطاعات واسعة من الأحزاب السياسية تدور في الحلقة التقليدية القديمة ذاتها دون تتطور فكري وسياسي.
جيلٌ يسلّم الراية لجيل، أم جيلٌ يمسك بالراية حتى تتآكل يده وفي النهاية يكون الضحية وطن بأكمله؟
هنا تكمن المعضلة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى أحزاب تبحث عن استعادة أمجاد الماضي، وإنما إلى أحزاب تعيد اكتشاف المستقبل والتطور الفكري. لا يحتاج إلى قيادات سياسية تقيس قوتها بعدد السنوات التي قضتها في مواقعها، وإنما إلى قيادات تقيس نجاحها بقدرتها على إعداد من يخلفها.
والحقيقة التي ينبغي أن تقال بوضوح هي أن الأحزاب العقائدية والطائفية والتقليدية، على اختلاف مسمياتها، تتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية الأزمة السياسية السودانية؛ فقد ساهم الصراع الحزبي المزمن، والتنافس على السلطة، والاستقطاب الأيديولوجي، وضعف التجديد الداخلي وعدم ضخ دماء شبابية في شرايين الأحزاب السياسية لتواكب التطور السياسي والفكري العالمي في ظل تسارع إيقاع الحياة في كل المجالات، كان هو السبب المباشر في إضعاف الدولة وإرباك مشروع بناء الوطن.
وليس من العدل تحميل حزب واحد وحده مسؤولية الكارثة السودانية؛ فالأزمة أعمق من ذلك، وتشمل تجربة سياسية كاملة شاركت فيها قوى مدنية وعسكرية وأيديولوجية مختلفة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حتى وصل السودان إلى واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث.
لكن الاعتراف بالفشل ينبغي أن يكون بداية الإصلاح، لا ذريعة للاستمرار.
فإذا كان حزب الأمة القومي، وفق تصريح أحد قياداته، غير قادر بشكله الحالي على تقديم خدمة للسودان، فإن المطلوب ليس مجرد تغيير الشعارات أو إصدار البيانات، وإنما إعادة بناء حقيقية تبدأ من داخل الحزب نفسه وكل الأحزاب السياسية: يجب عليها مراجعة الهياكل، وتجديد القيادة، وإطلاق الحريات الداخلية، وفتح الأبواب أمام الشباب، وإتاحة المجال للكفاءات الوطنية، وإنهاء ثقافة احتكار القرار.
وإذا عجز الحزب عن فعل ذلك، فإن السؤال يصبح أكثر وضوحاً:
لماذا لا يستقيل من لا يستطيع أن يقدم شيئاً للسودان؟
فالاستقالة في هذه الحالة ليست هروباً من المسؤولية، بل شرفاً وقد تكون أحياناً أرفع درجات المسؤولية السياسية؛ أن يقول المسؤول: حاولنا، ولم نعد قادرين، فلنفسح المجال لغيرنا.
إن السودان لا يفتقر إلى الرجال والنساء القادرين على التفكير والعمل. ولا يفتقر إلى الشباب. السودان يفتقر إلى المؤسسات التي تمنح هؤلاء الشباب فرصة حقيقية للوصول إلى مواقع القيادة.
لقد آن الأوان أن تنتقل الأحزاب السودانية من سياسة «الزعيم الذي لا يُستبدل» إلى مؤسسة يستطيع فيها الزعيم أن يرحل دون أن ينهار الحزب، ومن ثقافة «القيادة الأبدية» إلى ثقافة التداول، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمشروع الوطني.
فالحزب الذي لا يستطيع تجديد نفسه لن يستطيع تجديد الدولة.
والحزب الذي يخاف من شبابه لن يستطيع قيادة وطن أغلب شعبه من الشباب.
والحزب الذي يعجز عن إصلاح بيته الداخلي، لن يكون مؤهلاً لإصلاح بيت السودان الكبير.
إن السودان يقف اليوم على حافة مرحلة تاريخية لا تحتمل المزيد من المناورات الحزبية ولا الحسابات الضيقة. البلاد تنزف، والمجتمع تمزق، والدولة تراجعت، والحرب أكلت الأخضر واليابس، والشعب يريد أن يرى نهاية لهذا العبث السياسي الذي طال أمده.
لذلك فإن اعتراف نائب رئيس حزب الأمة بعجز الحزب في شكله الحالي يجب ألا يُقابل بالهجوم وحده، بل يجب أن يتحول إلى فرصة تاريخية للمراجعة.
وليكن السؤال مطروحاً على كل الأحزاب السودانية، لا حزب الأمة وحده:
ماذا قدمتم للسودان؟
وماذا ستقدمون؟
ومن سيقودكم غداً؟
وأين شبابكم؟
وأين برامجكم؟
وأين مشروعكم لبناء الدولة؟
وأين آليات التداول الديمقراطي داخل مؤسساتكم؟
إن الشعب السوداني لم يعد يبحث عن أسماء كبيرة في اللافتات، وإنما عن مشروع كبير لوطن كبير.
لقد سئم السودان قيادات تعيش على أمجاد الماضي، بينما يموت المستقبل أمام أعينها.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تجديد شامل للحياة السياسية السودانية؛ مرحلة تنتهي فيها قداسة الأشخاص، وتبدأ فيها قداسة المؤسسة، وينتهي فيها احتكار القيادة، وتبدأ فيها المنافسة على أساس الكفاءة، وتنفتح فيها أبواب الأحزاب أمام الشباب والنساء والمثقفين وأصحاب الخبرات.
أما أن يبقى الحزب عاجزاً، ثم يبقى العاجزون في مواقعهم، فهذه ليست سياسة.
ذلك اسمه إصرار على الأزمة.
وإذا كان الاعتراف بالعجز قد جاء من داخل القيادة، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون أكثر شجاعة:
إما أن يُصلح الحزب نفسه، أو يفسح الطريق لمن يستطيع.
فالسودان أكبر من حزب، وأكبر من زعيم، وأكبر من تاريخ سياسي مهما كان مجيداً.
والأوطان لا تُبنى بقداسة الماضي، وإنما بجرأة المستقبل.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.