البعد_الاخر مصعب بريــر عطش السماء ومقبرة الطين: أنقذوا «الجزيرة» أو استعدوا للجوع ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
عطش السماء ومقبرة الطين: أنقذوا «الجزيرة» أو استعدوا للجوع ..!
هل راقبت يوماً عيون المزارعين في القرى وهم ينظرون إلى السماء الملبدة بالغيوم المترددة؟ من أول نظرة لتلك الوجوه، تدرك أن المطر في بلادنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو “الرزق” الذي ينتظره ملايين البسطاء. في أسواقنا، كل شيء يتحرك على إيقاع السحب، وحين تتأخر، تتوقف أنفاس الحياة.
هذا هو جوهر القلق الذي يطوقنا اليوم. نحن لا نواجه فقط مؤامرات تتربص بهذا الوطن ومقدراته، بل نواجه غضبة المناخ وتأخر مواقيت الخريف. شح الأمطار هذا العام ليس خبراً عابراً، بل هو تهديد مباشر لموسم الزراعة المطرية الذي نعول عليه لتوفير أكثر من 70% من محصول “الذرة”، قوت الغلابة الأساسي. هذا ليس حديثاً عن احتمالات بعيدة، بل هو عما قد نفقده اليوم بصمت على موائدنا إن لم نتحرك.
السبب الأول الذي يراه الجميع هو تغير المناخ. يقول الناس في مجالسهم إن السماء شحت، والنتيجة المباشرة هي الخوف من نقص الغذاء وارتفاع أسعار الذرة في الأسواق المحلية، من سوق ليبيا إلى أسواق الأقاليم. طبيعي أن نرى القلق يتسرب إلى البيوت؛ فكيف سيوفر رب الأسرة لقمة العيش؟ ولكن ما لا يُرى من أول وهلة، وما يجب أن يبقى دائماً في بالي وبالك، هو أن هذا التهديد المناخي يكشف عن جذور أزمة أعمق: ارتهاننا المطلق للظروف، ونسياننا للملاذ الآمن الذي تملكه أيدينا. هذا يشبه الرجل الذي يملك بئراً في “حوش” منزله، لكنه يتركه مهجوراً وينتظر ماء المطر، وحين ينقطع المطر، يصرخ من العطش. ألم يحن الوقت لنلتفت إلى بئرنا الكبرى؟ ألم يحن الوقت للاهتمام بمشروع الجزيرة؟
مشروع الجزيرة ليس مجرد مساحة زراعية، بل هو العمود الفقري الذي كان يجب أن يسندنا في هذه اللحظات. يرى البعض أن انهيار المشروع كان بسبب سياسات خاطئة في الماضي، وهذا صحيح، ولكن أين نحن اليوم؟ هناك تحديات استراتيجية وتشريعية وتمويلية تقف كجدار عازل بين المشروع وتعافيه. القوانين المتضاربة التي شتتت الإدارة، وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تحمي المزارع، وانعدام التمويل الحقيقي الذي يوفر المدخلات من تقاوٍ وأسمدة في وقتها وصيانة قنوات الري. كل هذا كبل المشروع وجعله عاجزاً عن الإنقاذ. كيف نطلب من المزارع أن ينتج، ونحن نتركه يواجه تقلبات السوق وعجز البنوك وأعطال الترع وحده؟
طيب، ماذا يعني تعافي مشروع الجزيرة للمواطن البسيط في يومه العادي؟ يعني باختصار استقرار سعر رغيفة الخبز، وتوفر “الكسرة” في كل بيت دون عناء، ويعني أن تدور عجلة الإنتاج وتتوفر فرص العمل لآلاف الشباب. لذلك، أولويات التعجيل بهذا التعافي لا تحتاج إلى مؤتمرات تنتهي بتوصيات حبيسة الأدراج. الأولويات واضحة: إصلاح تشريعي فوري يحسم فوضى الإدارة والملكية، ضخ تمويل وطني أو عقد شراكات حقيقية تنقذ البنيات التحتية، وتوفير التكنولوجيا الزراعية التي تضاعف الإنتاج. يجب أن ننظر للمشروع ببعد آخر، ليس كمجرد ماضٍ نبكي على أطلاله، بل كطوق نجاة وحيد وسط هذه الأمواج المتلاطمة.
وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة. الأزمات التي تحيط بنا، من استهداف ومناخ غادر، ليست مبرراً للاستسلام، بل هي جرس إنذار قاسٍ يخبرنا بأننا ندفع ثمن تهميشنا لما نملك، بحثاً عما لا نملك.
بعد اخير:
خلاصة القول، الأرض لا تخون، نحن من أدرنا ظهورنا لها. حين نترك أكبر مشروع ري انسيابي في العالم يئن تحت وطأة العطش الإداري والمالي، فلا يحق لنا أن نلوم السحب إذا مضت دون أن تمطر.
أخيرًا، نحن لا نُهزم بسبب قلة الموارد أو تكالب الظروف، نحن نُهزم فقط عندما ننتظر المعجزة من السماء دون أن نعقلها، بينما نترك طوق نجاتنا ملقىً تحت أقدامنا في طين الجزيرة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
