دفتر الكرامة… الجمعيات النوبية وزارة بلا ميزانية ووطن بلا حدود… بقلم: ناصر الفاتح
دفتر الكرامة…
الجمعيات النوبية وزارة بلا ميزانية ووطن بلا حدود…
بقلم: ناصر الفاتح

تليدً مجيد ومجدٌ عتيد وأصلٌ ضارب في أعماق الثرى ليس بطارفٍ مستحدث. ولا بنت يوم وليلة بل هو قديم قدم النيل راسخٌ رسوخ الجبال.
وليست هي ويحَ من يظن جمعياتٍ بالمعنى المبتذل المتداول للسكن والمأوى فحسب. من حسبها كذلك فقد بخسها حظها وهضم حقها وجهل قدرها وما عرف كنهها ولا سبر غورها.
إنها لأعمق مما تتصورون وأجل مما تتخيلون وأبقى أثراً مما تظنون.
هي إرث اجتماعي تليد..
إرث تناقلته الأكف وتوارثه الأعقاب كابراً عن كابر وخلفاً عن سلف لم يوجده قانون مسطور. ولم تفرضه لائحة مكتوبة بل فطرت عليه النفوس. وطبعت عليه القلوب وسارت به الركبان.
ما أحيا هذه السنة في فجاج الاغتراب ولا فيافي السودان وعواصمه أحدٌ قبلهم هم الذين سنوها وهم الذين ابتدعوها هدىً وخيراً فكانوا السابقين الأولين. فطوبى لهم. لهم أجرها وأجر من عمل بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وذلك من صميم جبلتهم ومن كريم سجيتهم ومن عريق حضارتهم. فإن النوبي بطبعه وفطرته لا يحيا وحده ولا يطعم وحده ولا يهنأ بفرحٍ وحده ولا يستفرد بحزنٍ وحده قومٌ خلقوا جماعة. ونشأوا جماعة وعاشوا جماعة وسيبقون إلى آخر الدهر جماعةً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
وجمعياتنا هذه تقوم مقام الدولة في التعمير والتطوير..
فحيثما حل النوبيون وأقاموا. شادوا مدرسة وأقاموا مستوصفاً ورفعوا منارة مسجد ومدوا حبل كهرباء وفجروا بئر ماء معين. وأنشأوا جمعية تعاونية. الدولة تغيب وهم يحضرون. والدولة تعجز وهم يقتدرون والدولة تبخل وهم يجودون.
في تلك القرى الوادعة على ضفاف النيل الخالد ما من حجرٍ موضوع ولا سقفٍ مرفوع ولا طريقٍ معبدٍ ممهد إلا ووراءه جمعية من جمعيات المهجر ووراءه مغترب ناءٍ اقتطع من قوت يومه ومن كد يمينه وعرق جبينه ليبني لغيره هناك ما لا يبني لنفسه هنا إيثاراً وشيمةً وكرماً.
أفهذه جمعيات؟ لا ورب البيت.
إنها والله وزارة خدمات بلا وزارة. ووزارة تضامن بلا ديوان. ووزارة تكافل بلا بروتوكول تعمل بالحب لا باللوائح وتسعى بالوفاء لا بالوظيفة وتنهض بالانتماء لا بالميزانية.
إنها ليست جدراناً أربعةً وداراً نسكنها إنها قلب نوبة النابض في المهجر وسفارتها القائمة ووزارتها الناطقة ووطنها الصغير الذي نلوذ به من لفح الهجير ووحشة الغربة وغربة الروح.
فمن استهان بها فقد استهان بتاريخ مجيد. ومن فرط فيها فقد فرط في إرثٍ تليد. ومن حافظ عليها فإنما يحافظ على حضارةٍ عمرها سبعة آلاف عام لا تزال تهتف في وجه الزمان وتقول للعالم أجمع نحن هنا باقون ما بقي النيل متجمعون متكاتفون .
