أمواج ناعمة الكهرباء: جات الحزينة تفرح.. د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
الكهرباء: جات الحزينة تفرح..
د. ياسر محجوب الحسين
يذكرنا واقع قطاع الكهرباء في السودان بالمثل المصري الشهير «جات الحزينة تفرح ما لقتلهاش مطرح». فكلما لاح أمل في انفراج ولو جزئي، جاءت الإدارة بتخبطها لتبدده، في سلسلة متصلة من الإخفاقات التي تنم عن ضعف كفاءة كثير من الكوادر الفنية وسوء الإدارة وقصر النظر.
أبرز مثال على هذا التخبط هو التعاقد على سفينة توليد طاقة تابعة لشركة «نواوي» بقدرة 100 ميغاواط، إلى جانب محطة أرضية بقدرة 50 ميغاواط. وصلت البارجة إلى ميناء بورتسودان في يوليو الماضي، بعد عطاء عالمي فازت به الشركة بسعر 4.95 جنيه سوداني لكل كيلوواط/ساعة. ورغم توقيع العقد ووصولها، احتاجت إلى ترتيبات فنية معقدة لربطها بالشبكة القومية، بما في ذلك التجهيز والاختبارات، مع توقع التشغيل في أكتوبر 2026. حتى ذلك الحين، تقف البارجة بلا جدوى تُذكر بينما تدفع الدولة تكاليف بدء تنفيذ العقد ورسوها في الميناء، في مشهد يعكس غياب التخطيط المسبق والاستعداد الفني اللازم.
مثال آخر أكثر مأساوية حدث الأسبوع الماضي، حين سقطت مجموعة من الحاويات المخصصة لحماية محطة تحويلية (بفعل عواصف قوية) على المحول رئيس، مما تسبب في تلف جزئي وأدى إلى انقطاع التيار عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر. وكانت السلطات الأمنية قد طالبت بإنشاء سد من الحاويات الضخمة حول المحول بعد تركيبه لحمايته من هجمات مسيرات المليشيا، لكن التنفيذ تم دون حساب كافٍ للتثبيت الجيد، فانهار جزء منه تحت الرياح العاتية، وعم الظلام دون معرفة دقيقة بمدى الضرر. هذه الحادثة، التي وثقتها بيانات شركة كهرباء السودان، تكشف عن قصر نظر في الإجراءات الأمنية والفنية على حد سواء.
ومن المضحكات المبكيات ما حدث عندما أقبل المواطنون على الطاقة الشمسية لإنارة بيوتهم وأعمالهم التجارية وسط انقطاعات متكررة. في يوليو الماضي أيضا فرضت وزارة الطاقة رسوما جديدة على مكونات الأنظمة الشمسية (مثل 1000 جنيه للوح ورسوم على العاكسات والبطاريات)، في خطوة أثارت انتقادات واسعة. لكن رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس أعاد النظر في الأمر، وأصدر في 18 أغسطس الحالي قرارا بإعفاء جميع مكونات منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب وكافة الرسوم الحكومية، موجها الجهات المعنية بتنفيذه فورا. هذا التراجع السريع يفضح التخبط بين الجهات الحكومية.
كان يمكن للتفكير الاستراتيجي أن يغير المشهد. ففي الفلبين، على سبيل المثال، أتاح نظام القياس الصافي بموجب قانون الطاقة المتجددة لعام 2008 وقواعد لجنة تنظيم الطاقة، للمواطنين إنتاج الطاقة الشمسية وتصدير الفائض إلى الشبكة مقابل أرصدة على فواتيرهم. بحلول منتصف العام الماضي 2025 كان هناك أكثر من 17 ألف مستفيد بقدرة إجمالية تتجاوز 157 ميغاواط، وارتفع العدد لاحقا إلى نحو 23 ألفا بقدرة 232 ميغاواط، مما شكل مخزونا هائلا يُخفف الضغط على الشبكة على المدى القريب، ويُغذيها بفوائض الإنتاج الفردي على المدى البعيد.
السودان يملك إمكانيات طبيعية هائلة للطاقة الشمسية، إذ يقع ضمن الحزام الشمسي، ويصل متوسط الإشعاع الأفقي العالمي إلى 5.5-6.7 كيلوواط ساعة/م² يوميا، مع إنتاج فوتوفولطي محتمل يصل إلى أكثر من 5 كيلوواط ساعة/كيلوواط ذروة يوميا في مناطق كثيرة، وهي معدلات من الأعلى عالميا. لو استُغلت هذه الإمكانيات استراتيجيا، لخف الضغط على الشبكة القومية فورا، وتحولت فوائض الإنتاج الفردي إلى مصدر مستدام يغذيها، بدلا من الاعتماد على حلول مؤقتة مكلفة وفاشلة. الإخفاقات المتكررة في قطاع الكهرباء ليست قدرا، بل نتيجة سوء إدارة يمكن تصحيحه بتخطيط علمي وكفاءة حقيقية.
