د. حيدر البدري… نقطة سطر جديد. الحوار السوداني–السوداني، الفرص والتحديات.
د. حيدر البدري…
نقطة سطر جديد.
الحوار السوداني–السوداني، الفرص والتحديات.
هل نحن أمام مخرج وطني من الحرب… أم أمام إعادة ترتيب للمشهد السياسي؟
وماهي فرص الحوار وشروط نجاحه ومخاطر تحوله إلى حوار محاصصات.
نحن في بلدٍ أنهكته الحرب، وتقطعت أوصاله السياسية والاجتماعية، كيفك يمكن للسودانيين أن يجدوا طريقاً للخروج من هذه الحرب دون أن يخرج السودان نفسه من التاريخ؟
من هنا تكتسب دعوة رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى إطلاق حوار سوداني–سوداني أهمية تتجاوز مجرد كونها مبادرة سياسية جديدة؛ فهي تأتي في لحظة شديدة التعقيد، بينما تتسع الكلفة الإنسانية للحرب، وتتعدد مسارات الوساطة الخارجية، وتزداد المخاوف من أن يتحول الانقسام العسكري إلى انقسام جغرافي وسياسي دائم.
ففي 14 أغسطس/آب 2026، أعلن البرهان موافقته على توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين في حوار سوداني شامل، مؤكداً أن الدولة، وفق طرحه، لن تكون الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته ومخرجاته، وأن إدارة العملية ينبغي أن تتولاها آلية وطنية مستقلة. كما أعلن استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي وحماية المشاركين، مع وقف الإجراءات الجنائية القائمة ضد بعض المشاركين خلال فترة الحوار، دون اعتبار ذلك عفواً نهائياً.
هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تعني أن الدعوة، في صيغتها المعلنة، لا تقول ببساطة: تعالوا إلى الخرطوم لنتحاور، وإنما تحاول تقديم صيغة تتضمن ثلاثة عناصر: حوار داخلي، وآلية مستقلة، وضمانات للمشاركين.
لكن المشكلة السودانية لا تكمن في غياب الدعوات إلى الحوار. السودان عرف خلال العقود الماضية مؤتمرات وموائد مستديرة واتفاقيات ومبادرات لا حصر لها. المشكلة الحقيقية كانت دائماً في السؤال التالي:
من يحاور من؟ وعلى أي أساس؟ ومن يملك قرار الحوار؟ ومن يضمن تنفيذ مخرجاته؟
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس تفصيلاً هامشياً.
دعوة البرهان تأتي فيما الحرب تدخل مرحلة شديدة الخطورة، وفي وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن نحو 13 مليون سوداني اضطروا إلى الفرار من منازلهم، بينهم نحو 8.7 ملايين نازح داخلياً، بينما تتواصل الهجمات على المدنيين والبنية التحتية والأسواق ومصادر المياه، وفق إفادة الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في 24 أغسطس/آب الجاري.
وفي الوقت نفسه، لم يعد الملف السوداني شأناً داخلياً خالصاً. فالحرب أصبحت ذات أبعاد إقليمية متزايدة، وهناك خشية من تمدد آثارها إلى دول الجوار، وهو ما دفع الاتحاد الأفريقي في 26 أغسطس/آب إلى التحذير من اتساع نطاق الصراع عبر الحدود، والدعوة إلى الحوار والتعاون الإقليمي لمنع التصعيد.
إذن، البرهان يتحرك في بيئة مختلفة عن تلك التي كانت قائمة في بداية الحرب.
فالحرب التي بدأت باعتبارها تمردا على القوات المسلحة من الدعم السريع أصبحت قضية تتعلق ببقاء الدولة، ووحدة الأراضي، ومستقبل الجيش، وشكل الحكم، ومستقبل القوى السياسية، وعلاقة المركز بالأقاليم، فضلاً عن مستقبل الاقتصاد والمجتمع السوداني نفسه.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دعوة الحوار باعتبارها محاولة للانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الأزمة السياسية التي صنعتها الحرب.
ثم ماذا يريد البرهان من الحوار؟
فمن الخطأ اختزال دعوة البرهان في تفسير واحد.
هناك، على الأقل، ثلاثة مستويات يمكن قراءتها من خلالها.
فالحرب أعادت ترتيب موازين القوى.
فالقوات المسلحة أصبحت صاحبة الدور المركزي في إدارة الدولة الواقعة تحت سيطرة الحكومة، لكنها في الوقت ذاته تواجه سؤالاً سياسياً كبيراً: ماذا بعد الحرب؟
هل تعود البلاد إلى صيغة انتقالية؟
هل تقوم حكومة مدنية؟
هل يستمر الحكم الانتقالي؟
من يضع الدستور؟
كيف يعاد بناء المؤسسات؟
وما شكل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية؟
هذه أسئلة لا تستطيع البندقية وحدها الإجابة عنها.
ومن هنا يصبح الحوار السياسي ضرورة حتى بالنسبة للطرف الذي يعتقد أنه قادر على تحقيق مكاسب عسكرية.
المستوى الثاني للحوار إعادة بناء الجبهة الداخلية
فالحرب كشفت هشاشة البنية السياسية السودانية.
فالأحزاب انقسمت، والحركات المسلحة اتخذت مواقف مختلفة، والقوى المدنية تشظت، وظهرت تحالفات جديدة، بينما انتقلت بعض القوى السياسية إلى الخارج.
وفي ظل هذا المشهد، فإن أي تسوية سياسية قادمة لن تكون قابلة للحياة إذا قامت على اتفاق بين عدد محدود من القيادات وحدها.
السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس سياسي، لا مجرد ترقيع اتفاق.
ولهذا فإن إشراك الأحزاب، والحركات المسلحة، والإدارات الأهلية، والنقابات والمهن، والشباب والنساء، والقوى المدنية، والشخصيات المستقلة، والمجتمع الأهلي، يصبح مسألة تتصل بشرعية أي تسوية مقبلة.
المستوى الثالث للحوار تتمثل في قطع الطريق أمام التسوية المفروضة من الخارج
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية في مصطلح «الحوار السوداني–السوداني».
فالمجتمع الدولي نفسه بات يستخدم تعبير Sudanese-led and Sudanese-owned، أي عملية سياسية يقودها السودانيون ويمتلك السودانيون قرارها.
فالخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة واصلت خلال أغسطس مشاوراتها مع الأطراف السودانية، بهدف دعم مسار سياسي شامل يقوده السودانيون.
ومن ثم فإن فكرة أن يكون السودانيون هم أصحاب القرار ليست مجرد شعار ترفعه الخرطوم؛ بل أصبحت جزءاً من الخطاب الدولي حول حل الأزمة.
لكن الملكية السودانية للعملية السياسية لا تعني عزل الوساطة الدولية.
وهذه نقطة جوهرية.
السودان يحتاج إلى دعم خارجي، لكنه لا يحتاج إلى أن يقرر الخارج نيابة عنه.
لكن لماذا رفضت بعض القوى الدعوة؟
هنا ينبغي عدم التعامل مع الرفض باعتباره مجرد عناد سياسي.
القوى المناهضة للحرب، وفي مقدمتها أطراف في تحالف «صمود»، تقول إن الحوار المقترح قد يمنح شرعية للسلطة القائمة في مناطق سيطرة الجيش، وتطالب بمسار يبدأ بوقف الحرب والقضايا الإنسانية قبل الانتقال إلى الحوار السياسي. وقد أعلنت قوى سودانية في اجتماعات بأديس أبابا رفضها للمبادرة وعدم الاعتراف بمخرجاتها.
وهذا الاعتراض يستحق المناقشة.
فالطرف الرافض يسأل:
كيف يمكن إجراء حوار وطني شامل بينما الحرب مستمرة؟
والسؤال مشروع.
لكن السؤال المقابل مشروع أيضاً:
إذا كان وقف الحرب نفسه يحتاج إلى اتفاق سياسي، فكيف نصل إلى الاتفاق السياسي من دون حوار؟
هنا تظهر المعضلة السودانية الكبرى.
والمعضلة هي «وقف الحرب أولاً أم الحوار أولاً؟»
هناك من يقول:
أوقفوا الحرب أولاً ثم اجلسوا للحوار.
وهناك من يقول:
لا يمكن الوصول إلى وقف مستدام للحرب من دون اتفاق سياسي.
والحقيقة أن التجارب السودانية نفسها تشير إلى أن الفصل الحاد بين الأمرين قد يكون مضللاً.
الأقرب إلى الواقعية هو مسار متوازٍ
خفض التصعيد إجراءات إنسانية وقف إطلاق النار إجراءات بناء الثقة حوار سياسي شامل ترتيبات انتقالية إعادة بناء الدولة.
وهذا قريب من المنطق الذي تعمل عليه الجهود الدولية الحالية؛ إذ تؤكد الأمم المتحدة وشركاؤها أن بناء الثقة والتهدئة يمكن أن يمهدا لمسار سياسي سوداني شامل.
لذلك فإن السؤال ليس هل الحوار قبل وقف إطلاق النار أم بعده؟
بل كيف نجعل الحوار نفسه أداة لإنتاج وقف إطلاق النار، وفي الوقت ذاته نمنع استمرار الحرب من إفساد الحوار؟
وهذا يتطلب ترتيبات دقيقة.
ثم يظهر السؤال المنطقي الاساسي
الحوار مع من؟..
هل يمكن الحوار مع الدعم السريع؟..
هل يمكن الحوار مع المتمردين القتلة المجرمين؟
هل يمكن الحوار مع شلة تأسيس؟.
..
أم الحل في البل.
..
معضلة الحوار السوداني عظيمة.
الامر ليس بين فرقاء السياسة، الامر اكبر من ذلك بكثير.
نقطة سطر جديد.
