صوت العقل من فصل جنوب السودان ؟ الحركه الشعبيه ام المؤتمر الوطني؟ كتب/ ضياء الدين سيد سمهن
صوت العقل
من فصل جنوب السودان ؟
الحركه الشعبيه ام المؤتمر الوطني؟
كتب/ ضياء الدين سيد سمهن
كلما طرأ طارئ وتجدد الحديث عن انفصال الجنوب عاد البعض إلى الاكليشيهات الجاهزة
(حكومة البشير ونظام الانقاذ وحكومة الحركه الاسلاميه هي التي فصلت جنوب السودان)
وتصدر التهمه في اغلب الاحيان من قادة احزاب وحركات مسلحه وقادة حركه شعبيه شماليين كانوا يقاتلون كتفا بكتف مع الحركة الشعبيه ومع جون قرنق وسلفاكير لاكثر من 35 سنه وكانوا يعلمون نوايا الجنوبيين تماما ورغم ذلك يبرؤونهم من تهمة الانفصال ويرمون بها الشماليين والكيزان والانقاذ وينسون انهم كانوا متواطئين في المؤامره
وتُقال العبارة في سياق وكأن انفصال الجنوب كان قراراً اتخذه عمر البشير في مكتبه، ثم أعلنه على الشعب السوداني ذات صباح!
لكن، مهلاً هل هذا ما حدث فعلاً؟
لنضع العاطفة جانباً، ونعود إلى الوقائع.
من الذي قرر الانفصال؟
في عام 2005 وُقعت اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، وأنهت حرباً طويلة امتدت لأكثر من عقدين.
والاتفاقية لم تقل إن حكومة الخرطوم ستفصل الجنوب.
بل نصت على حق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره عبر استفتاء، يختار فيه الجنوبيون بين الوحدة والانفصال، والاتفاق كان يحضره عرمان وعقار والحلو ومحمد جلال وكل قادة الحركه (الشماليين)
وبناء علي اتفاقية نيفاشا أُجري الاستفتاء في يناير 2011.
ثم جاءت النتيجة التي لا يمكن تجاوزها سياسياً أو تاريخياً وهي التصويت لصالح الانفصال ف
98.83% صوّتوا للانفصال، و1.17% فقط صوّتوا للوحدة.
أي أن ما يقارب أربعة ملايين ناخب شاركوا، وكانت النتيجة كاسحة بصورة لا تحتمل التأويل.
فإذا كان السؤال
من صوّت للانفصال؟
فالإجابة واضحة
شعب جنوب السودان الذي شارك في الاستفتاء، وبنسبة 98.83%.
أما حكومة الانقاذ فما كان بيدها الا ان قبلت النتيجة رسمياً، وأعلن البشير قبوله بها باعتبارها تعبيراً عن إرادة الجنوبيين.
ولكن هل كانت حكومة البشير تعمل من أجل الانفصال؟
هنا تبدأ المفارقة التي يغفل عنها كثيرون.
فالاتفاقية نفسها كانت تقوم على مبدأ جعل الوحدة جاذبة خلال الفترة الانتقالية.
والحكومة السودانية والحركة الشعبية اتفقتا بالفعل على العمل من أجل إقناع الجنوبيين بالتصويت للوحدة. ففي عام 2010 جرى التأكيد على برنامج يهدف إلى «جعل الوحدة جاذبة» قبل الاستفتاء.
وهنا نسأل
إذا كانت حكومة البشير قد قررت مسبقاً فصل الجنوب، فلماذا كانت هناك فترة انتقالية كاملة تمتد ست سنوات، ولماذا كان الهدف المعلن هو جعل الوحدة جاذبة؟
ولماذا جرى الحديث عن التنمية والخدمات والتعليم والبنية التحتية باعتبارها أدوات لإقناع المواطن الجنوبي بأن مستقبله الأفضل هو داخل السودان الواحد؟
من كان يبني المدارس وينشئ الطرق والمستشفيات ومشروعات التنمية في الجنوب ؟
هذه نقطة تحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف التاريخي.
خلال السنوات التي سبقت الاستفتاء، لم تكن الخرطوم جالسة تنتظر يوم الانفصال وهي تغلق أبوابها أمام الجنوب.
كانت هناك مشروعات تنمية وخدمات وتعليم وبنية أساسية تُنفذ في الجنوب، بعضها عبر الحكومة المركزية وبعضها ضمن ترتيبات السلام وإعادة الإعمار، وكان الهدف السياسي المعلن أن يرى المواطن الجنوبي فوائد السلام والوحدة.
وهذا لا يعني أن التنمية كانت كافية، ولا أنها أزالت المظالم أو عالجت جذور المشكلة.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نمحو هذه الوقائع من التاريخ فقط لأن هناك من يريد اليوم تحميل طرف واحد مسؤولية الانفصال.
والأهم من كل ذلك ماذا حدث يوم 9 يوليو 2011؟
في ذلك اليوم أُعلن قيام دولة جنوب السودان.
وأُنزل العلم السوداني من ساريته في جوبا، ورُفع علم الدولة الجديدة.
وهنا يجب أن نتذكر الصورة كما هي
لم يكن المشهد مشهداً لحكومة الخرطوم وهي (تفصل الجنوب بالقوة)
كان مشهد دولة جديدة تولد بعد استفتاء اختار فيه الجنوبيون الاستقلال بأغلبية ساحقة.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط
من فصل الجنوب؟
بل
لماذا اختار الجنوبيون الانفصال؟
فهنا تكمن القضية الحقيقية.
هناك تاريخ طويل من الحرب، والدماء، والمرارات، والصراع السياسي، والتهميش المتبادل، والأخطاء التي ارتكبتها حكومات وحركات وقوى سياسية ومجتمعات على مدى عقود.
ولا يمكن اختصار كل ذلك في شخص واحد أو حزب واحد او نظام
هل كانت حكومة البشير بريئة من كل شيء؟
بالطبع لا.
فالإنصاف لا يعني التبرئة.
حكومة البشير كانت طرفاً رئيسياً في الصراع، وكانت مسؤولة عن سياسات وقرارات وأخطاء ساهمت في تعقيد العلاقة بين الشمال والجنوب.
لكن تحميلها وحدها مسؤولية (فصل الجنوب) يتجاهل حقيقة أساسية وهي انه سبقتها حكومات من قبل 56 عاشت في صراعات ومرارات مع الحركات المتمرده الجنوبيه ورغم ذلك فالانفصال لم يُفرض على الجنوبيين بل تم في استفتاء.
و مُنحوا حق الاختيار، ثم اختار 98.83% منهم الانفصال.
بل إن المفارقة الأكبر أن نسبة التصويت للانفصال في بعض الولايات الجنوبية بلغت 100%، بينما كانت هناك أيضاً أصوات للوحدة داخل الشمال، بل وحتى بين الجنوبيين أنفسهم وإن كانت بنسبة ضئيلة جداً.
من الاشياء التي لا ينبغي أن تُمحى من الذاكرة،
فقد كان يوم إعلان استقلال جنوب السودان لم يكن يوم حزن عند الجميع.
كان هناك في الجنوب من احتفل، وغنى، ورقص، ورفع أعلام الدولة الجديدة، واعتبر يوم 9 يوليو يوم خلاص وبداية جديدة.
وهذا أمر طبيعي بالنسبة لشعب اختار الانفصال.
لكن المؤلم أن بعض السودانيين اليوم يريدون إعادة كتابة تلك اللحظة وكأن الجنوب لم يختر الانفصال، وكأن شعبه وقادته وقادة الحركه الشعبيه شمال لم يفرحوا بذلك وكأن الأمر كان مجرد مؤامرة نفذتها حكومة البشير وحدها وهذه هي الفريه والخطه (تحميل حكومة البشير خطأ الانفصال والتملص من عاره كما هي عادة المعارضه السودانيه علي مر العصور التآمر والعماله والتملص من التهم والصاقها بالحكومه )
الحقيقة أكثر تعقيداً.
فلنقل الحقيقة كما هي
البشير لم يصوّت نيابة عن الجنوبيين.
وحكومة السودان لم تكتب في بطاقات الاقتراع 98.83% انفصال.
والانفصال لم يكن قراراً سرياً اتخذه شخص واحد.
كان نتيجة مسار سياسي طويل، انتهى باتفاقية سلام، ثم فترة انتقالية، ثم استفتاء، ثم اختيار شعبي كاسح للاستقلال.
نعم، يمكن أن نحاسب حكومة البشير على أخطائها.
ونعم، يمكن أن نناقش سياساتها التي سبقت الحرب وأثناءها وبعدها.
ونعم، يمكن أن نسأل لماذا فشلت الدولة السودانية، بكل حكوماتها وقواها السياسية، في بناء وطن يشعر فيه الجنوبي بأنه شريك كامل.
لكن شيئاً آخر يجب أن نقوله أيضاً
لا يجوز أن نحول التاريخ إلى محكمة سياسية تُصدر حكماً جاهزاً، ثم تبحث عن الوقائع التي تخدمه.
فالسؤال الحقيقي ليس:
«هل فصل البشير الجنوب؟»
بل
(كيف وصل السودان إلى اليوم الذي أصبح فيه الانفصال هو الخيار الذي صوّت له 98.83% من الجنوبيين؟) وماهو دور قادة الحركه الشعبيه (شمال في ذلك) وماهي الوعود التي بذلت لهم بعد اكمال مهمتهم
هذه هي الاسئله التي تستحق أن نبحث عنها
لأن من يريد أن يتعلم من تجربة الجنوب، لا يبحث عن كبش فداء فقط،
بل يبحث عن الأسباب التي جعلت الوحدة نفسها تفقد جاذبيتها في نظر شعب كامل.
وهذه، في تقديري، هي الحقيقة التي ينبغي أن نواجهها بشجاعة.
أين كان قادة الحركة الشعبية عندما صوت الجنوبيين للانفصال ؟
وهناك سؤال آخر أكثر إحراجاً ينبغي ألا نتجاوزه.
عندما ذهب الجنوبيون إلى صناديق الاقتراع في يناير 2011 واختاروا الانفصال، كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان لا تزال ماثلة أمام أعين الجميع كتنظيم سياسي واحد في الذاكرة والقيادة والتحالفات، وكان قادة الحركة الشعبية قطاع الشمال الذين نعرفهم اليوم، ومن بينهم مالك عقار وياسر عرمان وعبد العزيز الحلو وغيرهم كثر كانوا جزءاً من المشهد السياسي للحركة الشعبية وشهوداً على المرحلة التي انتهت بالاستفتاء وإعلان دولة جنوب السودان.
فالسؤال هنا ليس لماذا اختار الجنوبيون الانفصال؟
فقد أجابوا عن ذلك بأنفسهم في صناديق الاقتراع.
السؤال هو
إذا كان المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية هما وحدهما من (فصل الجنوب)، فلماذا لم ينجح قادة الحركة الشعبية في الشمال في إقناع رفاقهم في الحركة الشعبية الأم بالوحده وعدم تعبئة شعب الجنوب للتصويت للانفصال ، أو على الأقل لماذا لم نسمع منهم يومها هذا الاتهام بالصورة التي نسمعها اليوم؟
فقد كانوا شهوداً على الاتفاقيةبل كانوا طرفا فيها اصيل ،
وكانوا شهوداً على الفترة الانتقالية.
وكانوا شهوداً على الاستعداد للاستفتاء.
وكانوا شهوداً على الحملات السياسية التي سبقت التصويت.
وكانوا شهوداً على يوم إعلان النتيجة.
وكانوا شهوداً على اللحظة التي أُنزل فيها علم السودان من سارية جوبا ورُفع علم الدولة الجديدة فلماذا تواطئوا مع فكرة الانفصال وبماذا وعدوا في مرحلة مابعده .
فإذا كان الانفصال، كما يقال اليوم، مجرد (مشروع نفذه المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية)، فأين كان أصحاب المشروع المقابل داخل الحركة الشعبية؟
ولماذا لم تكن الأولوية آنذاك هي إقناع الجنوبيين بالوحدة، بدلاً من أن يصبح تحميل الخرطوم مسؤولية الانفصال بعد سنوات هو الرواية السياسية الأكثر حضوراً؟
إذن كيف يمكن أن يكون بعض الذين كانوا داخل المشهد وشهوداً على تفاصيله من قادة الحركه الشعبيه شمال ، اليوم، من أكثر الذين يقدمون رواية تقول إن الجنوب تم فصله بواسطة المؤتمر الوطني؟
فالفرق كبير بين أن تقول
(مخططات الحركه الشعبيه مدفوعه باجنده خارجيه ساهمت في دفع الجنوب نحو الانفصال)
وبين أن تقول
«المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية هما اللذان فصلا الجنوب».
الأولى قضية سياسية قابلة للنقاش والتحليل والمحاسبة.
أما الثانية فتحتاج إلى تفسير واضح أمام حقيقة أن الجنوبيين أنفسهم ذهبوا إلى الاستفتاء، وبنسبة 98.83% اختاروا أن تكون لهم دولة مستقلة.
وهنا يعود صوت العقل إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من كل الاتهامات
إذا كان الانفصال مؤامرة من طرف واحد، فلماذا لم يمنعها الذين كانوا شركاء وشهوداً على كل مراحلها؟
إن التاريخ لا يُكتب فقط بما يقوله السياسيون بعد سنوات، وإنما أيضاً بما فعلوه، وما قالوه، وأين كانوا، وماذا اختاروا عندما كانت لحظة الاختيار حاضرة أمامهم.
ومن أراد أن يحاكم الماضي، فعليه أولاً أن يضع نفسه، ورفاقه، ومواقفه القديمة داخل صورة الماضي كاملة، لا أن يقتطع منها ما يخدم رواية الحاضر.
