إحياء الحركة التعاونية في السودان (8) من الإنتاج إلى القيمة المضافة… كيف تجعل التعاونيات المنتج أكثر قيمة؟ التخزين والتصنيع والتعبئة… الطريق من المحصول الخام إلى المنتج المنافس بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
إحياء الحركة التعاونية في السودان (8)
من الإنتاج إلى القيمة المضافة… كيف تجعل التعاونيات المنتج أكثر قيمة؟
التخزين والتصنيع والتعبئة… الطريق من المحصول الخام إلى المنتج المنافس
بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

في الحلقات السابقة تحدثنا عن أهمية التعاونيات، وتجاربها في بعض الدول، ودور الدولة في دعمها، ثم تناولنا الإدارة الرشيدة، والتمويل التعاوني، ووصلنا في الحلقة السابعة إلى قضية التسويق، وكيف يمكن للجمعية أن تنتقل من مجرد خدمة المنتج إلى أن تصبح شريكًا حقيقيًا له في الوصول إلى السوق لكن يبقى سؤال مهم:
هل يكفي أن ننتج ونبيع؟
أم أن علينا أن نسأل كيف نزيد قيمة ما ننتج؟وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية في الاقتصاد الحديث:
القيمة المضافة
فالفارق بين الاقتصاد الذي يبيع موارده خامًا، والاقتصاد الذي يصنع ويعبئ ويخزن ويسوق، هو في كثير من الأحيان الفارق بين اقتصاد ضعيف واقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص العمل ، السودان… إنتاج كثير وقيمة مضافة قليلة يمتلك السودان إمكانات زراعية وحيوانية هائلة، وينتج العديد من المحاصيل والمنتجات التي يحتاجها السوق المحلي والخارجي لكن جزءًا كبيرًا من هذه المنتجات يخرج من مناطق الإنتاج في صورته الخام ، المحصول يُحصد ثم يُباع، والفاكهة تنضج ثم تُعرض في السوق، والحيوان يُنتج ثم يُباع ، وعندما تتزامن وفرة الإنتاج مع ضعف التخزين والتصنيع والتسويق، تنخفض الأسعار، وقد يضطر المنتج إلى البيع بأقل من القيمة التي يستحقها محصوله ، ثم يأتي آخرون ليقوموا بالتخزين أو التصنيع أو التعبئة أو التصدير، ويحققوا الجزء الأكبر من القيمة ، فلماذا لا يكون المنتج نفسه شريكًا في هذه القيمة؟
من ذاكرة الصناعة السودانية تجارب سبقت زمانها
عندما نتحدث اليوم عن أهمية القيمة المضافة والتصنيع الزراعي، قد يظن البعض أن هذه أفكار حديثة ظهرت مع تطور الاقتصاد العالمي لكن السودان عرف هذه الفكرة منذ عقود ومن التجارب التي تستحق التوقف عندها مصنع وتعليب الفواكه والخضر في كريمة، وكذلك مصنع البصل في كسلا، وهما من التجارب الصناعية التي أُنشئت في ستينات القرن الماضي ، كانت الفكرة في جوهرها بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
لماذا ننتج المحصول ثم نبيعه خامًا، بينما نستطيع أن نصنعه ونعبئه ونحفظه ونضيف إليه قيمة؟كان إنشاء مثل هذه المصانع يعني الانتقال من اقتصاد يعتمد على بيع المنتج الزراعي في صورته الأولية إلى اقتصاد يحاول أن يحتفظ بجزء أكبر من القيمة داخل البلاد.
كما أن مثل هذه الصناعات كانت توفر سوقًا للمنتجين، وتحد من فاقد المنتجات الزراعية، وتخلق فرصًا للعمل، وتفتح المجال أمام منتجات يمكن تخزينها وتسويقها خارج موسم الإنتاج ، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:لماذا أنشأنا هذه المصانع؟بل:لماذا لم تتحول مثل هذه التجارب إلى صناعة زراعية واسعة ومستدامة تتطور جيلاً بعد جيل؟إن الإجابة عن هذا السؤال مهمة جدًا لمستقبل التعاونيات فالمشكلة ليست دائمًا في إنشاء المصانع، وإنما في استمرارية منظومة الإنتاج والتوريد والتصنيع والتسويق والتمويل والإدارة.
فالمصنع لا يستطيع النجاح وحده إنه يحتاج إلى مزارعين منتظمين في الإنتاج، وإلى كميات ومواصفات محددة، وإلى تمويل، وطاقة، ونقل، وتخزين، وإدارة كفؤة، وأسواق قادرة على استيعاب المنتجات.
وهنا يمكن أن يكون للتعاونيات دور مختلف تمامًا فبدل أن يكون المصنع منفصلًا عن المنتجين، يمكن أن تكون الجمعية التعاونية هي الحلقة التي تربط:
المزارع ← الإنتاج ← التجميع ← المصنع ← التعبئة ← التسويق ← المستهلك.
وهذه المنظومة هي التي تجعل القيمة المضافة مستدامة التعاونية تستطيع تغيير المعادلة ، المزارع الفرد قد لا يستطيع إنشاء مصنع أو مخزن تبريد، وقد لا يستطيع شراء خط فرز وتعبئة، أو تحمل تكلفة شاحنة مبردة ، لكن مئات أو آلاف المنتجين مجتمعين في جمعية تعاونية يمكنهم فعل ذلك ، وهنا تظهر إحدى أعظم فوائد العمل التعاوني:
ما يعجز عنه الفرد بسبب محدودية رأس المال، تستطيع المجموعة تحقيقه بتجميع الموارد ، فبدل أن يمتلك كل مزارع مخزنًا صغيرًا غير اقتصادي، يمكن للجمعية إنشاء مخزن مركزي ، وبدل أن يشتري كل مزارع وسيلة نقل منفردة، يمكن للجمعية امتلاك أسطول يخدم الجميع ، وبدل أن يبيع كل مزارع محصوله خامًا، تستطيع الجمعية فرزه وتعبئته وتصنيفه وتسويقه بعلامة تجارية موحدة ، التخزين ليس مجرد مستودع كثيرًا ما ننظر إلى التخزين باعتباره مكانًا نضع فيه المنتجات فقط ، لكن التخزين في الاقتصاد الزراعي يمكن أن يكون أداة اقتصادية، فعندما يمتلك المنتج القدرة على التخزين، فإنه لا يكون مضطرًا للبيع فور الحصاد، وبذلك يستطيع أن ينتظر الوقت الأنسب للبيع ، وهذا مهم بصورة خاصة في المنتجات الموسمية التي تنخفض أسعارها عند وفرة المعروض ، ومن هنا فإن الجمعية التعاونية التي تمتلك مخازن جيدة، أو مخازن مبردة عند الحاجة، يمكن أن تمنح أعضاءها قوة تفاوضية أكبر، من التخزين إلى التصنيع ، المرحلة الأكثر أهمية هي التصنيع، فالمنتج الذي لا يستطيع السوق استيعابه اليوم، قد يصبح منتجًا مطلوبًا غدًا إذا تمت معالجته وتصنيعه، الفاكهة يمكن تجفيفها أو تحويلها إلى عصائر ومنتجات غذائية، الطماطم يمكن تحويلها إلى منتجات مصنعة، البصل يمكن تخزينه وتصنيفه وتعبئته، وربما إدخاله في صناعات غذائية، الحليب يمكن أن يتحول إلى منتجات متعددة، واللحوم يمكن أن تنتقل من بيع الحيوان أو الذبيحة إلى منتجات مجهزة ومعبأة وفق المواصفات المطلوبة.
وهنا لا نزيد فقط سعر المنتج، وإنما نخلق وظائف جديدة، ومهارات جديدة، وأسواقًا جديدة، التعاونية والعلامة التجارية من الأمور التي يمكن أن تغير مستقبل المنتجات السودانية أن تمتلك الجمعيات التعاونية علامات تجارية قوية.
تخيل أن يكون هناك منتج يحمل اسم الجمعية، ويعرف المستهلك مصدره ومواصفاته وجودته، عندها لا يعود المزارع يبيع مجرد “بصل” أو “مانجو” أو “عسل”، بل يصبح المنتج جزءًا من علامة تجارية لها سمعة وثقة، وهذا هو أحد أبواب الانتقال من بيع السلعة إلى بيع القيمة والثقة والجودة.
الجودة تبدأ من المزرعة
لكن التصنيع والتعبئة وحدهما لا يكفيان، فالجودة يجب أن تبدأ منذ مرحلة الإنتاج.
وهنا يمكن للجمعية أن تضع معايير موحدة لأعضائها، تشمل نوعية البذور، وطرق الزراعة، ومكافحة الآفات، واستخدام الأسمدة، وموعد الحصاد، وطرق النقل، ومعايير الفرز والتعبئة وعندما يلتزم الأعضاء بهذه المعايير، تستطيع الجمعية أن تقدم منتجًا موحد الجودة.
وهذا أمر بالغ الأهمية إذا أردنا الدخول في الأسواق الكبيرة أو أسواق التصدير.
من الجمعية إلى المصنع
ربما يكون من أكبر الأخطاء أن تبدأ الجمعية بمشروعات ضخمة لا تستطيع إدارتها. الأفضل أن تبدأ بالتدرج:
التجميع → الفرز → التخزين → التعبئة → التسويق → التصنيع.
فإذا نجحت في مرحلة، انتقلت إلى المرحلة التالية،فالنمو التدريجي يسمح للجمعية ببناء الخبرة والسوق ورأس المال في الوقت نفسه، بدلًا من وضع أموالها كلها في مشروع كبير قبل امتلاك القدرة على إدارته.
القيمة المضافة تعني زيادة دخل المنتج
في النهاية، الهدف ليس إنشاء المصانع من أجل المصانع الهدف هو:
زيادة دخل المنتج.
فإذا كان المزارع يبيع محصوله الخام بسعر منخفض، ثم تقوم الجمعية بتخزينه أو تصنيعه وبيعه بسعر أعلى، فإن جزءًا أكبر من القيمة يعود إلى المنتجين أنفسهم وهنا يتحول العمل التعاوني من مجرد وسيلة للحصول على مدخلات الإنتاج إلى وسيلة لبناء الثروة ،ماذا نحتاج في السودان نحن بحاجة إلى الانتقال من التعاونيات التقليدية التي تركز على جمع المساهمات وتقديم بعض الخدمات، إلى تعاونيات اقتصادية متكاملة ،تعاونية المزارعين يمكن أن تمتلك:
مركز تجميع + مخزن + وسائل نقل + وحدات فرز وتعبئة + تبريد + عقود تسويق + وربما مصنعًا في مرحلة لاحقة.
وعندها تصبح الجمعية قوة اقتصادية حقيقية.
كما يمكن للتعاونيات أن تتخصص؛ فهناك تعاونيات إنتاجية، وأخرى تسويقية، وأخرى للتصنيع، ويمكن أن تتكامل فيما بينها بدل أن تقوم كل جمعية بكل شيء.
رسالة إلى صانع القرار
إذا كانت الدولة تريد أن تزيد قيمة الإنتاج السوداني، فإن دعم التعاونيات الإنتاجية والتسويقية والتصنيعية يمكن أن يكون إحدى الوسائل المهم،ويمكن للدولة أن تساعد من خلال:
* تسهيل تخصيص الأراضي للمخازن والمصانع التعاونية.
* تخفيض الرسوم على معدات التخزين والتصنيع ومدخلاته.
* توفير التمويل الميسر للمشروعات الإنتاجية.
* دعم التدريب الفني والإداري.
* تسهيل إجراءات التصدير.
* ربط التعاونيات بمراكز البحوث والجامعات.
* تشجيع الشراكات بين التعاونيات والقطاع الخاص.
فالدولة هنا لا تقوم مقام التعاونية، وإنما تساعدها على بناء قدرتها.
كلمة أخيرة
لقد عرف السودان منذ ستينات القرن الماضي أهمية الانتقال من الإنتاج الخام إلى التصنيع والقيمة المضافة، كما تشهد بذلك تجارب مثل مصنع تعليب الفواكه والخضر في كريمة ومصنع البصل في كسلا،لكن التحدي اليوم هو أن نأخذ هذه التجارب باعتبارها دروسًا للمستقبل، وأن نبني عليها نموذجًا أكثر تكاملًا واستدامة.
فإذا كان آباؤنا قد بدأوا منذ عقود في التفكير في تصنيع الفواكه والخضر والبصل، فإن السؤال اليوم يجب أن يكون ماذا يمكن أن نصنع من منتجات السودان في عام 2026؟والإجابة لا ينبغي أن تأتي من الحكومة وحدها، ولا من المستثمر الفرد وحده، وإنما من تعاون حقيقي بين المنتجين، والتعاونيات، والمستثمرين، والقطاع الخاص، ومراكز البحوث، والدولة، فالسودان لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاجه، بل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحتفظ بجزء أكبر من قيمة إنتاجه داخل الاقتصاد الوطني.
لا يكفي أن نزرع، ونحصد، ونبيع، علينا أن نضيف قيمة، ونصنع، ونخزن، ونعبئ، ونسوق، ونصدر.
وعندها فقط يتحول الإنتاج من مورد خام إلى ثروة مستدامة.
“لا يكفي أن ننتج الثروة؛ علينا أن نضيف إليها قيمة، وأن نضمن أن يعود نصيب عادل منها إلى من صنعها.”
⸻
المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
abdulkarim.jalhassan@gmail.com
