البحر الأحمر.. ثروة السودان التي تنتظر عقل الاستثمار ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف ابن الشرق
البحر الأحمر.. ثروة السودان التي تنتظر عقل الاستثمار
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
ابن الشرق

سعادة والي ولاية البحر الأحمر، نحيي فيكم روح المسؤولية، وحرصكم على استقرار الولاية وخدمة إنسانها، وندعوكم إلى قيادة نهضة استثمارية تليق بموقع البحر الأحمر وثرواته، وتفتح أبواب المستقبل أمام بورتسودان والسودان كله، بعزم الدولة وحكمة القيادة وبعد النظر وقوة القرار.
في إحدى زياراتي إلى أوروبا قبل سنوات قليلة، جمعتني الظروف السعيدة بلقاء ضم عددا من القادة والمفكرين والمهتمين بقضايا التنمية والاستثمار في السودان. وكان لولاية البحر الأحمر حضور خاص في ذلك الحوار، لا باعتبارها ولاية طرفية، وإنما بوصفها بوابة السودان إلى العالم، ومخزونا استراتيجيا للفرص التي يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني إذا وجدت القرار الشجاع والإدارة الرشيدة.
خرجت من ذلك اللقاء بقناعة راسخة: الدول لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف وصادرات واستقرار. وفي عالم الاستثمار لا تنتظر الفرصة طويلا، ورأس المال لا يحب البيروقراطية ولا الأبواب المغلقة.
ومن بين الأفكار التي طرحت آنذاك إعادة توظيف عمارات خور موج، وتحويل جزء من هذه الأصول المعطلة إلى مشروع صحي حديث، يمكن أن يكون نواة لمستشفى بمعايير عالمية، يسهم في توطين العلاج بشرق السودان، واستقطاب الخبرات والتقنيات، وفتح باب السياحة العلاجية.
كما نوقشت تصورات استراتيجية لتزويد ولاية البحر الأحمر بالمياه عبر مشروعات كبرى ومدروسة، لا تقتصر على مياه الشرب، بل تمتد إلى الزراعة والإنتاج السمكي والاستقرار السكاني. ومثل هذه المشروعات لا ينبغي أن تقبل أو ترفض بالانطباع، وإنما بدراسات هندسية واقتصادية وبيئية مستقلة تقارن بين النقل والتحلية والحصاد المائي والحلول الهجينة.
أما الفكرة الثالثة فتتعلق بإنشاء أو نقل منشآت لتكرير البترول إلى ساحل البحر الأحمر، مستفيدة من موقع بورتسودان وموانئها وقربها من أهم طرق التجارة العالمية، بما يفتح المجال أمام صناعات بتروكيماوية وخدمات تخزين ونقل ولوجستيات ذات قيمة مضافة عالية.
سعادة الوالي..
المطلوب اليوم ليس البكاء على ما ضاع، وإنما تأسيس منظومة تمنع ضياع ما هو آت. نحتاج إلى مجلس استثماري رفيع يتبع للوالي مباشرة، يضم اقتصاديين وقانونيين ومهندسين وخبراء تمويل، ويتولى حصر الأصول المعطلة وإعادة دراسة المشروعات القديمة وإعداد بنك حقيقي للفرص الاستثمارية.
كما نحتاج إلى نافذة واحدة للمستثمر، وإلى فتح الأبواب أمام السودانيين في الخارج وأصحاب العلاقات الدولية، فهؤلاء يمثلون رأسمالا وطنيا لا يقل أهمية عن المال.
والاستثمار الذي نريده ليس بيع الأصول ولا توزيع الامتيازات، بل شراكات تحمي حق الدولة، وتنقل التقنية، وتوفر الوظائف، وترفع الصادرات، وتخدم المجتمعات المحلية.
سعادة الوالي، البحر الأحمر لا يحتاج إلى معجزة؛ لديه البحر والميناء والموقع والإنسان. ما يحتاجه هو عقل استثماري يرى الفرصة قبل أن تغادر.
فنجاح البحر الأحمر ليس مكسبا للولاية وحدها، بل للسودان كله.
والتاريخ لا يسأل المسؤول كم ملفا وقع، بل كم فرصة حولها إلى واقع، وكم بابا فتحه للمستقبل
