في رحاب الله العالم الجليل ناصر السيد د . هويدا صلاح الدين العتباني
في رحاب الله العالم الجليل ناصر السيد
د . هويدا صلاح الدين العتباني

في الوقت الذي تصطخب الأحداث في السودان وتتوالى الأهوال في العالم، رحل عن عالمنا بهدوء الدكتور البروفسير ناصر السيد محمد السيد، ولم أجد أقلاماً تتسابق للكتابة عنه، رغم انه كان علامة بارزة وشخصية سودانية استثنائية، قلما يجود الزمان بمثله.
قابلت ناصر السيد لأول مرة في بيروت ونحن نسجل حضوراً للمؤتمر القومي العربي و المؤتمر القومي الإسلامي، و اللذان يمثلان منبران مناهضان للتطبيع و الحوار مع إسرائيل، يلتقي فيه القاصي والداني من القادة العرب ومن شتى الدول بما في ذلك العرب في الدول الغربية، فكان المؤتمر يعقد كل عام في دولة عربية، وإذا لم يجد دولة تستضيفه فإنه يعقد في لبنان دولة المقر، فحظينا بإنعقاده في اليمن والجزائر و تونس والمغرب و البحرين و مصر و لبنان والسودان .
وقد كنا موفدين من مجلس الصداقة الشعبية حيث رئيس المجلس أحمد عبدالرحمن الذي كان خير موجهاً ومرشداً واحياناً رفيقاً لنا هو والشيخ الجليل يس عن الامام رحمهم الله جميعاً. أول ما لاحظته الحضور والشعبية التي يحظى ويحاط بها ناصر السيد دائماً في المؤتمر، الكل يعرفه الكل يقدره ويجله، ولا يقف متحدثاً إلا ويوفي الحديث حقه، ثم يحلو لنا الحديث معه خارج جلسات المؤتمر فنجده موسوعة متحركة، و مرجعية سياسية وتاريخية تستمد منه شتى المعلومات المهمة وتستقي منه الأخبار بكل سلاسة، يختلط حديثه بين الجدية والبساطة، فله أريحية في الحديث الذي تتخلله ضحكات ساخرة لها معانٍ وعمق في التفكير، لا يسأم المرء من الجلوس معه و الاستماع إليه و الاستمتاع بسرده و حكيه.
يعرف ناصر نفسه بأنه رئيس الحزب الاشتراكي الإسلامي والأمين العام لجبهة الدستور، ويعتبر نفسه إسلامياً واشتراكياً وقومياً عربياً وناصرياً . إسلامياً لأنه يؤمن بمباديء الحركة الإسلامية وينبذ الشيوعية، إشتراكياً لانه يؤمن بأن العدالة الاجتماعية كنظرية فلسفية تحقق المساواة مع الفقراء والمعوزين في العيش وهي في جوهرها تختلف عن الماركسية، قومياً عربياً لأنه يؤمن بوحدة الأمة العربية، وناصرياً لأن يرى عبدالناصر زعيماً كانت له إسهامات عظيمة وقدم أكبر خدمة للعرب والمسلمين، ومع ذلك وفي رأي الخاص أنه تغلبت عليه إسلاميته التي تستشعرها من خلال تاريخه وحديثه وعلاقاته .ومهما يكن إستطاع ناصر السيد أن أن يجري صلحاً مع توليفة سياسية وفكرية وعقائدية ولا يرى أي تناقض في هذه التوليفة .
كان ناصر قارئاً حذقاً ومحللاً ومتحدثاً لبقاً وخطيباً بلا منازع، وهو من ذاك النوع الذي يعتمد على الذاكرة في السرد ولا يستعين ولو بقصاصة ورق في الحديث، أتضح ذلك جلياً من خلال تقديمه الفكري ومداخلاته في المؤتمر القومي العربي والإسلامي ، فكنا نتشرف بتمثيله لنا كسوداني يحمل علماً ثراً ومعرفة واسعةً.
لقد كان ناصر السيد من الجيل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، جيل مواليد الثلاثينيات منهم حسن الترابي وبابكر كرار ومرغني النصري ومحمد يوسف والجزولي دفع الله ويوسف حسن سعيد، الجيل الذي درس في حنتوب وهي في قمتها، ثم تتابعت مسيرته الدراسية لتنتهي به في كلية غردون أو جامعة الخرطوم.
ومن أهم المحطات التى وقف فيها ناصر السيد محطة حركة التحرير الإسلامي بقيادة بابكر كرار، والتي تأسست في المدارس الثانوية حنتوب ووادي سيدنا وخور طقت وكلية غردون التذكارية عام 1949، كان الحزب الشيوعي في ذلك الوقت يملأ ساحة كلية غردون مستلهماً فكره من الحركة الشيوعية في مصر بقيادة اليهودي هنري كوريل، حيث تم تكوين ما أطلق عليه الحركة السودانية للتحرر الوطني (حسدتو )، وحسب افادة ناصر السيد ان الشيوعين كانوا يسيطرون على اتحاد الطلبة وكافة النشاط الطلابي. ولأن الحزب الشيوعي عرف بمعاداته للإسلام فقد برز في المقابل صوتاً معارضاً في الندوات، ومن هنا نشأت حركة التحرير الإسلامي كتيار مناويء للحزب الشيوعي، حتى أسم (حركة التحرير )كان مشابهاً لاسم (الحركة السودانية للتحرر ). وكانت تلك اللبنة الاولى للحركة الإسلامية في السودان، وحينذاك كلف بابكر كرار ثلاثة من المناوبين والقانونين معه كتابة دستور حركة التحرير الإسلامي، واستطاعت حركة التحرير أن تسيطر على إتحاد الطلبة في جامعة الخرطوم عام 1952 بقيادة الرشيد الطاهر وأبعد الحزب الشيوعي .
وكان التحدي الكبير هو توحيد حركة التحرير مع حركة الإخوان المسلين في اللقاء الذي عرف بمؤتمر العيد . لكن ما لبث بعدها أن ظهرت بؤرة الخلاف الاولى وأول تشرذم للحركة الإسلامية، حيث إبتعد في عام 1954 كل من بابكر كرار وناصر السيد أو أبعدوا حسب ما يعتقده ناصر .
ويبدو أن ناصر السيد كان متأثراً إلى أبعد الحدود بشخصية بابكر كرار الذي كان ملازماً له طول الوقت وعلى مر السنين، وبالتالي يعتبره من أعظم الشخصيات التي مرت على السودان إطلاقاً، ويرى أن بابكر كرار أغمط حقه فلم يظهر بالقدر الوافي والكافي الذي يجب أن يكون، والذي يليق به كسياسي محنك وشخصية قومية ورئيسا لحزب، ويرجع السبب في ذلك إلى الإعلام، سيما أن الإعلام سيطرت عليه حكومات شمولية متتالية حكمت أغلب السنوات التي تلت الاستقلال.
ويقف بحثه في الدكتوراة( تاريخ السياسة والتعليم في جنوب السودان ) والذي طبعته دار جامعة الخرطوم للنشر يمثل سفراً علمياً وأكاديمياً، يفصح فيه عن كيف منحت الإدارة البريطانية في السودان مؤسسات التبشير المسيحي مهمة القيام بالخدمات التعليمية في جنوب السودان، وذلك عندما أصدر الحاكم العام كرومر توجيها بتركيز الإرساليات جنوباً.وحقيقة الأمر إستفدت من ذلك البحث كمرجع في بحثي للدكتوراة والتي ركزت فيه على قضية الهوية والتعدد الإثني في الصراع بين شمال وجنوب السودان، فكان بحثه خير معين للطلبة والباحثين .
ويرى ناصر في هذا السياق أن الكتاب الذي ألفه المؤرخ جورج ساندرسون (G. N. Sanderson) أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم (England, Europe and the Upper Nile). ويعتبر من اهم الكتب التي تتحدث عن صراع القوى الأوروبية وخاصة إنجلترا وفرنسا للسيطرة على حوض النيل الأعلى خلال فترة التنافس الاستعماري على إفريقيا، وقد ركزت بريطانيا منذ البداية على أحداث النيل العليا وبنت خططها لتكون بمعزل عن الشمال، فكان فصل الجنوب عن الشمال أمراً متوقعاً .
ورغم رأيه المعارض للحكومات الشمولية، إلا انه لا ينفي علاقته التي توطدت ومعه الدكتور عبدالله زكريا مع الرئيس معمر القذافي، نسبة لما أعلنه من مباديء ثورة الفاتح من سبتمبر ووقوفه مع الأمة العربية، لكن ما لبث أن تخلى القذافي بمرور الزمن عن مبادئه حين سلم تقارير سرية إلى الإستخبارات الأمريكية، فانفض من وقفوا بجانبه.
ويتحدث عن مقتل أخيه محمد السيد الذي مات نتيجة التعذيب في سجون مايو بعد احداث 1976، يقول ناصر انه قتل ظلما ولم يقترف جرماً، وعندما بلغه خبر استشهاده بكى الكل ولكنه صمد ولم يبك لأن الشهيد لا يبكى عليه . ولذلك كان موقفه واضحاً من حكومة مايو فعندما ثارت ثورة شعبان من جامعة الخرطوم خرج يلوح بيده الى المتظاهرين (إلى الأمام إلى القصر ). اما انتفاضة رجب أبريل 1985 فقد هاجت مشاعره كشاعر فألف قصيدته ( ثورة الشعب) في بعض أبياتها يقول :
أهاجك النيل والأمواج تصطخب أم هاجك الشعب في ثوراته رجب
تدفقت حمم البركان عاصفة ملء النفوس ضرامة دونه اللهب
لما انتصرنا تغنى الشعب في هزج الام والبنت والشبان والشيب
زحف الجموع لها الأبصار ما شهدت وفر ذاك الذي عاداته الهرب
فأصبح النمر قطاً صيغ من ورق وأصبح القط فأراً وهو ينتحب
لقد كسرنا سجوناً ظل يحشدها. فيها المشانق في ساحاتها نصب
شاهدت ناصر يتلو تلك الأبيات ويزرف دموعه، وتكتنفه ذكريات تلك الأيام التي انتفض فيها الشعب على حكومات شمولية طاغية، انتقصت من حقوق مواطنيها، وإستولت على كل شيء إلا إرادة الشعب الثائر.
وفوق كل ذلك كان ناصر زاهداً ومتواضعاً إلى أبعد الحدود، رغم التاريخ الحافل الذي يتقاطع فيه العلم مع الإعلام مع السياسة، يتفاجأ الناس عندما يرونه متجولاً في شوارع الخرطوم منتظراً في المواقف لعربة مواصلات تقله، وقد كان لي شرف نقله ثلاث مرات إلى منزله الذي علمت أنه مستأجراً وليس ملكاً له، ولم أكن أتصور أو يستوعب عقلي أن قامة من قامات السودان مثل ناصر السيد، البروفسير في التربية، وبعد هذا العمر والعلم والفهم لا يملك منزلاً ولو صغيراً ولا عربة، بل انه كان يتعرض للطرد من منزل إلى آخر، فيا لسخرية القدر . يحدث هذا وناصر السيد كما هو لا يتضجر أو يشكو، لم تغيره الخطوب ولا تشوش عليه مكائد الدنيا وبني الإنسان، يتحدث بجد ويمزح بصفاء، ويستمع ويتجاوب، صفات قلما تجتمع في شخص واحد إلا المتصالح مع نفسه ومع الآخرين، وربما يفسر ذلك توليفته التي جمع فيها الإسلام مع القومية العربية مع الاشتراكية والناصرية .
رحم الله البروفسير ناصر السيد، العالم الوقور الزاهد، وأحسن مثواه وأدخله جنة عرضها السموات والأرض.
