منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

  الحوار السوداني.. من التنافس على السلطة إلى التوافق على الدولة د. الشاذلي عبداللطيف

0

الحوار السوداني.. من التنافس على السلطة إلى التوافق على الدولة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

ليست مشكلة السودان في تعدد أحزابه، ولا في اختلاف تياراته السياسية، فالتعدد في ذاته ليس عيبا، والاختلاف ليس خطرا. بل إن المجتمعات الحية لا تتقدم إلا حين تتنافس داخلها الأفكار والبرامج والرؤى.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الخلاف على الحكم خلافا على الدولة نفسها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي حوار سوداني ليس: من يشارك؟ ومن يستبعد؟ ومن يملك العدد الأكبر من المقاعد؟
السؤال الأهم هو:
ما القاعدة الوطنية التي يجب أن يجتمع عليها المختلفون؟
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
من هو السياسي الذي نريده حول مائدة الحوار؟
ليس المطلوب سياسيا يوافقنا الرأي، ولا حزبا يشبه أحزابنا، ولا تيارا يتبنى رؤيتنا. المطلوب سياسي يستطيع أن يختلف معنا، لكنه لا يختلف معنا على السودان.
سياسي يدرك أن السلطة وظيفة مؤقتة وليست ملكية دائمة، وأن المعارضة حق وليست جريمة، وأن الانتخابات وسيلة للتداول وليست معركة وجود، وأن الدولة ملك لجميع السودانيين، وليست ملكا لحزب أو جماعة أو جيل سياسي بعينه.
وفي تقديري، يمكن اختزال فلسفة الحوار كلها في هذه العبارة:
«سودانية الحوار لا تحددها أسماء المشاركين، بل تحددها مرجعيتهم: من جعل السودان مرجعه، والشعب حكمه، والقانون وسيلته، فهو شريك في الحوار الوطني.»
هذه القاعدة يمكن أن تجمع الإسلاميين واليساريين والليبراليين والقوميين والمستقلين والحركات السياسية والمدنية وكل المدارس الفكرية، لأن المطلوب ليس إنهاء الاختلاف، وإنما تنظيمه.
فالسياسة الحديثة لا تقوم على إلغاء الخصوم، بل على تحويل الخصومة إلى منافسة مشروعة داخل مؤسسات الدولة.
وهنا ينبغي أن نميز بين ثلاثة مستويات كثيرا ما اختلطت في تجربتنا السياسية: الدولة، والحكومة، والحزب.
الدولة هي الإطار الدائم.
الحكومة إدارة مؤقتة.
والحزب مشروع سياسي ينافس للوصول إلى السلطة.
وحين تختلط هذه المستويات تبدأ الأزمة؛ لأن الحزب يتوهم أنه الدولة، والحكومة تتعامل مع نفسها وكأنها الوطن، والمعارضة تتصرف أحيانا وكأن سقوط الحكومة يقتضي سقوط كل شيء معها.
الدولة الديمقراطية لا تقوم بهذه الطريقة.
في الدولة المستقرة يمكن للحكومة أن تسقط، ويبقى القضاء.
يمكن لحزب أن يخسر، ويبقى البرلمان.
يمكن للمعارضة أن تنتصر، وتنتقل السلطة سلميا.
ويمكن للسياسي أن يغادر منصبه، دون أن يغادر الوطن أو يتحول إلى خصم للدولة.
ولهذا فإن الحوار السوداني الذي نحتاجه ليس حوارا لتقسيم المناصب، بل حوارا لتحديد قواعد السياسة نفسها.
كيف نصل إلى السلطة؟
كيف نغادرها؟
كيف ندير الخلاف؟
كيف نحمي مؤسسات الدولة من الاستقطاب؟
كيف نضمن استقلال القضاء؟
كيف نجعل الانتخابات الفيصل بين البرامج؟
كيف نحمي القرار الوطني من أي تأثير يضعف الإرادة السودانية المستقلة؟
هذه الأسئلة أهم من أسماء الوزراء، وأبقى من أعمار الحكومات.
كما أن الحوار ينبغي ألا ينشغل كثيرا بعدد الأحزاب.
ليس مهما أن يكون في السودان أربعة أحزاب أو أربعون، فالديمقراطيات في العالم تختلف في نظمها الحزبية. بعض الدول استقرت على حزبين كبيرين، وأخرى على ثلاثة أو أربعة، وأخرى تعيش بتعدد واسع من الأحزاب والائتلافات.
المهم ليس العدد.
المهم أن تكون الأحزاب حقيقية؛ لها برامج، وقواعد، ومؤسسات، وانتخابات داخلية، وتمويل واضح، ورؤية للدولة والاقتصاد والمجتمع.
حينها يمكن للتجربة السياسية نفسها أن تدفع الأحزاب الصغيرة والمتشابهة إلى التحالف أو الاندماج، فتتشكل مع الزمن كتل سياسية كبرى، لا بقرار إداري، وإنما بتطور طبيعي للحياة الديمقراطية.
والسودان في حاجة إلى مثل هذا النضج.
نحتاج إلى الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة البرامج، ومن الزعامات إلى المؤسسات، ومن التحالفات المؤقتة إلى تيارات سياسية واضحة يستطيع المواطن أن يعرف ماذا تريد في الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة الخارجية والحكم المحلي والعدالة والتنمية.
ونحتاج قبل ذلك كله إلى ثقافة جديدة في قبول الخسارة.
فالديمقراطية ليست فقط حق الفوز.
الديمقراطية هي كذلك أخلاق الهزيمة.
أن يخسر حزب الانتخابات، فيهنئ الفائز ويستعد للجولة القادمة.
وأن يغادر رئيس الحكومة منصبه وهو يعلم أن الوطن لم يغادر معه.
وأن تدخل المعارضة البرلمان لتراقب وتحاسب وتقترح، لا لكي تنتظر انهيار الدولة.
تلك هي السياسة التي يمكن أن تبني السودان.
ولذلك فإن الحوار الوطني لا ينبغي أن يبحث عن الاتفاق الكامل؛ فالأتفاق الكامل بين السياسيين غير موجود في أي دولة حية.
نحن نبحث عن شيء أكثر واقعية ونضجا:
أن نتفق على قواعد الاختلاف.
نتفق على السودان، ثم نختلف في كيفية إدارته.
نتفق على سيادة القانون، ثم نتنافس على التشريعات.
نتفق على التداول السلمي للسلطة، ثم يتنافس الجميع على أصوات المواطنين.
نتفق على وحدة الدولة ومؤسساتها، ثم يطرح كل حزب مشروعه ورؤيته.
وعندئذ يتحول الخلاف من خطر يهدد الوطن إلى طاقة تدفعه إلى الأمام.
إن السياسي الذي يحتاجه السودان ليس السياسي الذي يقول لنا نعم دائما، وإنما السياسي الذي يستطيع أن يقول لا، ثم يجلس معنا إلى الطاولة في اليوم التالي؛ لأن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا.
ذلك السياسي الذي يعرف أن خصمه في الانتخابات ليس عدوه، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن الفوز ليس تفويضا أبديا، وأن الخسارة ليست نهاية التاريخ.
وحين يصل السودانيون إلى هذه الثقافة، سيتغير معنى الحوار نفسه.
لن يكون الحوار بحثا عن هدنة بين الخصوم، وإنما تأسيسا لعقد سياسي جديد.
عقد يقول ببساطة:
يمكننا أن نختلف في كل شيء تقريبا، لكننا لا نختلف على حق السودان في أن يبقى دولة مستقرة، ولا على حق شعبه في أن يختار، ولا على أن القانون هو الطريق المشروع لإدارة السلطة.
عندها فقط ينتقل السؤال السوداني من:
من يحكم السودان؟
إلى السؤال الأكثر نضجا وأهمية:
كيف نبني دولة يستطيع فيها المختلفون أن يتنافسوا، ويتداولوا السلطة، ويبقى السودان فوق الجميع؟
ومن هنا، لا ينتهي الحوار.
بل تبدأ السياسة الحقيقية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.