أمواج ناعمة مناوي.. حميدتي ٢: شكراً على الصراحة د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
مناوي.. حميدتي ٢: شكراً على الصراحة
د. ياسر محجوب الحسين
شكراً مني أركو مناوي على هذه التصريحات الانفعالية التي كشفت نواياك بوضوح سافر. إذا كنت تظن أنك تخيف أحداً، فأنت مخطئ بلا شك. خانتك خبرتك السياسية، وأصبحت تتكشف باستمرار أمام كل اختبار جديد.
ما قاله رئيس حركة «جيش تحرير السودان» – ولا ندري ممن يحرر السودان أصلاً – عن استمرار وجود الحركات المسلحة في الشمال والشرق والوسط، ثم إشارته لمن «يشعر بالضيق» بأن معبر أرقين قريب، ليس زلة لسان. هو موقف يكشف نظرة بعض قادة الحركات إلى المواطن السوداني: إما أن يقبل بوجود السلاح خارج إطار الدولة في أرضه، أو يرحل إلى مصر. هذا المنطق معكوس تماماً. من يشعر بالضيق من السلاح غير الشرعي ليس مطالباً بمغادرة وطنه، بل المطلوب أن يعود السلاح إلى سلطة الدولة، وأن يُكفل للمواطن حقه في الأمن والاستقرار بموجب القانون، لا بمزاج الحركات.
من يحدد وجود أي تشكيل مسلح في الشمال أو الوسط أو الشرق ليس مناوي، ولا أي قائد مليشياوي. من يحدده هو الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها الجيش الوطني. اتفاق جوبا نص صراحة على دمج الحركات المسلحة في مؤسسات الدولة. وإذا لم يلتزم مناوي بهذا الأمر، فإن الشعب ومؤسساته قادران على إلزامه، ومعهم العقلاء من ضباط وجنود الحركة نفسها الذين يدركون أن استمرار السلاح خارج الإطار الوطني يضر الجميع.
وهنا نذكّر مناوي – وربما ينسى أو يتناسى – بما نصت عليه المادة (26) من بروتوكول الترتيبات الأمنية في اتفاق جوبا لمسار دارفور، وتحديداً الفقرات (1) و(2) و(6):
اتفقت الأطراف صراحة على دمج قوات حركات الكفاح المسلح الموقعة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى.
وجاء الغرض النهائي من عملية الدمج واضحاً لا لبس فيه: أن تكون القوات المسلحة السودانية، بعقيدتها العسكرية الجديدة الموحدة التي تحمي المواطن والوطن والدستور، هي الجيش الوطني المهني الوحيد، وأن تُدمج كل القوات الأخرى المتواجدة على الأراضي السودانية في جيش وطني مهني موحد.
كما نصت الفقرة (6) على أن يتم هذا الدمج في شكل وحدات عسكرية كاملة وفقاً لتنظيم القوات المسلحة السودانية.
هذه ليست توصيات عامة أو وعوداً فضفاضة، بل التزامات تعاقدية مكتوبة وموقّعة. من يتنصل منها أو يتحدث عن استمرار الحركات المسلحة خارج إطار الدولة في الشمال أو الوسط أو الشرق، إنما يتحدث ضد ما وقّع عليه بنفسه.
أما الحديث عن «قضية دارفور» فيُستخدم أحياناً كغطاء. اتفاق جوبا اقتطع مئات الملايين من الدولارات من ميزانية دولة منهارة، واستمر هذا الاقتطاع حتى في ظل الحرب. هذه الأموال قُصد بها تنمية دارفور، لكن الواقع يقول إن جزءاً كبيراً منها تحول إلى مشروع مساومة ومناصب ومحاسيب، بينما شعب دارفور المسحوق يُترك لمآسيه ولإجرام مليشيا الدعم السريع. وبما أن دارفور في حالة حرب وجزء منها تحت سيطرة المليشيا فالأجدى ان توضع هذه الأموال في صندوق لاعمار دارفور بعد استعادة سيطرة الدولة عليها. إن تحويل قضية دارفور إلى تجارة نفوذ ومناصب هو خيانة لتلك القضية لا انتصاراً لها.
كلما شعر مناوي بأن أصوات الحق والعقلاء الحريصين على مؤسسية الدولة تحاصره، أطلق مثل هذه التصريحات الانفعالية. هي تكشف ضعفاً سياسياً أكثر مما تكشف قوة. وتذكّر، للأسف، بتصريحات سابقة لحميدتي في زمن قُبر، حين كان يتحدث بلغة التهديد والفرض مثل ال«تمطر حصو». بهذا المعنى يبدو مناوي في هذه اللحظة نسخة ثانية: حميدتي ٢. نفس الميل إلى الرد بالانفعال، ونفس الميل إلى فرض الأمر الواقع بالسلاح، ونفس التعارض مع بناء دولة مؤسسات واستقرار مجتمعي حقيقي. إنها صورة من صور «الابتزاز العاطفي» الذي يستخدم التهديد لفرض أمر واقع.
الشعب السوداني لا يحتاج إلى حركات تفرض وجودها في مناطق لم تكن طرفاً في صراعها. يحتاج إلى دولة تحتكر السلاح، وتضمن الأمن للجميع، وتنهي عصر المساومات التي تحول القضايا العادلة إلى مشاريع نفوذ. من يريد السلام الحقيقي يلتزم بالدمج، ويحترم مؤسسات الدولة، ويكف عن مخاطبة المواطنين بلغة «من ضاق فليغادر». أما من يختار طريق التصريحات الانفعالية والتهديد المبطن، فسيجد أن الشعب ومؤسساته أقدر على الرد من أي خطاب غاضب.
