الحوار الوطني السوداني.. حين تُسلَّم عجلة المستقبل لمن أثقلتهم السنون! بقلم : حسبو علي بخيت
الحوار الوطني السوداني.. حين تُسلَّم عجلة المستقبل لمن أثقلتهم السنون!
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

ليس اعتراضنا على أعمار الرجال، ولا انتقاصاً من تاريخهم أو تجاربهم أو ما قدموه للسودان في سنوات مضت؛ فالأمم لا تستغني عن حكمائها، والشيب ليس عيباً، والتجربة رأس مال وطني لا يجوز تبديده. ولكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصراحة، بعيداً عن المجاملات السياسية والحسابات الشخصية: هل تصلح هذه التشكيلة العمرية لقيادة حوار وطني يفترض أن يرسم ملامح السودان لعقود قادمة؟
قال تعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
وليس في الآية انتقاص من كبار السن، وإنما تذكير بحقيقة طبيعية يعرفها كل إنسان؛ فلكل مرحلة عمرية قدراتها وطاقاتها، ولكل جيل أدواته في التفكير والعمل والحركة.
وحين ننظر إلى الصورة الماثلة أمامنا لأعضاء لجنة الحوار الوطني السوداني، فإن أول ما يلفت النظر ليس فقط عدد الرجال، وإنما غياب الجيل الذي يُفترض أن يحمل السودان إلى المستقبل، هو جيل الشباب.
نحن أمام وطن خرج من حرب مدمرة، قضت على الأخضر واليابس، واقتصاد يئن تحت وطأة الانهيار، ومجتمع أنهكته الهجرة والفقر والنزوح، ودولة تواجه تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة. فهل يعقل أن يكون مشروع الحوار الوطني، الذي يُفترض أن يؤسس للمستقبل، بعيداً عن الشباب الذين سيعيشون نتائج هذا المستقبل؟
هذه ليست مسألة عمر فحسب؛ إنها مسألة كفاءة وظيفية، وتجديد سياسي، وقدرة على مواكبة العصر، وضخ دماء شبابية في شرايين الوطن المكلوم في الأنفس والأموال والأولاد.
فالجهد الذي يستطيع الإنسان بذله في الثلاثين أو الأربعين ليس هو الجهد نفسه الذي يبذله في الستين أو السبعين.
إن متطلبات العمل السياسي الحديث لم تعد مجرد الجلوس في قاعات الاجتماعات وإلقاء الكلمات وإصدار البيانات؛ بل أصبحت تحتاج إلى حركة مستمرة، وتواصل حديث يواكب التحول والتطور الرقمي، ومعرفة بالاقتصاد العالمي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، والدبلوماسية الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وطرق إدارة الصراعات وبناء السلام.
فأين الشباب في هذا المشهد؟
أين الأكاديميون الشباب؟
أين الاقتصاديون الشباب؟
أين خبراء التكنولوجيا والتحول الرقمي؟
أين النساء والشباب الذين يمثلون الأغلبية من المجتمع السوداني؟
أين الجيل الذي سيحكم السودان في المستقبل؟
ليس المطلوب أن نرمي بخبرة الكبار خارج المشهد، بل العكس تماماً. كان يمكن أن يكون هؤلاء الرجال الذين بلغوا من الكبر عتياً واشتعل رأسهم شيباً مجلساً للحكماء ومرجعية فكرية واستشارية للحوار الوطني، يستفيد الشباب من تجاربهم وتاريخهم ومعرفتهم.
أما أن تُسند إليهم وحدهم مهمة قيادة مشروع يفترض أنه يخاطب المستقبل، فذلك يحتاج إلى مراجعة جادة من الدولة السودانية ومن يقف على فكرة الحوار الوطني.
والأمر الأكثر إثارة للقلق أن بعض أعضاء لجنة الحوار الوطني الذين يظهرون في الصورة تجاوزت أعمارهم السبعين وزيادة، وبعضهم تبدو عليه آثار الوهن الواضحة وعدم القدرة على الحركة. وليس في ذلك عيب ولا عار؛ فهذه سنة الحياة. لكن السياسة ليست تكريماً اجتماعياً، والحوار الوطني ليس مجلساً للمجاملة، بل قيادة مشروع مصيري لدولة أنهك جسمها الحرب، وليست جائزة تقديرية على سنوات العمر.
السودان اليوم لا يحتاج إلى لجنة تُجسّد الماضي بقدر ما يحتاج إلى قيادة تفهم المستقبل.
إننا بحاجة إلى صيغة جديدة تجمع حكمة الكبار وحيوية الشباب؛ كبار السن في موقع المرجعية الفكرية والمشورة، والشباب في مواقع الحركة والتنفيذ والقيادة والتواصل مع الأجيال الجديدة.
أما الاستمرار في إنتاج النخب ذاتها، والوجوه ذاتها، والعقلية ذاتها، ثم انتظار نتائج مختلفة، فهذا ضرب من ضروب العبث السياسي، واستخفاف بعقول النخب المثقفة من جيل اليوم الذي يعرف متطلبات المستقبل السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والأدبية والفكرية.
لقد آن الأوان أن نكسر قاعدة «أهل التجربة أولى دائماً»، لأن التجربة وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها القدرة على قراءة المتغيرات الجديدة، ومواكبة التطور الذي يشهده العالم من حولنا. كما آن الأوان أن نتوقف عن التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد وقود للانتخابات والمظاهرات والحروب، ثم نُقصيهم عندما يحين وقت صناعة القرار.
يا أهل القرار في السودان: لا تجعلوا الحوار الوطني مقبرةً أخرى لأحلام السودانيين!
أعيدوا النظر في هذه التشكيلة قبل أن يتحول الحوار من مشروع لإنقاذ الوطن إلى حلقة جديدة من حلقات إعادة إنتاج الماضي.
ضعوا الحكماء في مكانهم الذي يليق بهم، وافتحوا الباب للشباب ليقودوا المستقبل.
فالسودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يمكن أن يُدار بعقلية الأمس، ولا أن تُرسم ملامح غده بأدوات الماضي وحدها.
نحن لا نريد أن نحترم الكبار بإقصاء الشباب، ولا أن نحترم الشباب بإهانة الكبار؛ نريد دولة تحترم الجميع، لكنها تعرف أن لكل جيل دوره.
والرسالة الأخيرة لمن اختار هذه اللجنة:
السودان ليس في حاجة إلى أسماء كبيرة بقدر حاجته إلى عقول قادرة، وقلوب حية، وأقدام تستطيع أن تمشي في طريق الإصلاح والإنقاذ، وأجيال جديدة تحمل عبء المستقبل.
فإن كان الحوار الوطني حقاً من أجل إصلاح وإنقاذ السودان، فليكن حواراً للمستقبل، لا اجتماعاً لرجال بلغوا من الكبر عتياً واشتعل رأسهم شيباً ووهن العظم منهم.
والتاريخ لن يسألنا: كم كان عمر أعضاء اللجنة؟؟
بل سيسأل سؤالاً أكثر قسوة:
عندما كان السودان يغرق، لماذا اخترتم من لا يملك أدوات الإبحار حتى يعبر بسفينة الوطن إلى بر الأمان وإلى المستقبل الواعد؟؟؟
