الشرطة المجتمعية بين الشراكة والمساءلة المهنية ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد محمود الشرطة المجتمعية… شراكة في صناعة الأمن
الشرطة المجتمعية بين الشراكة والمساءلة المهنية
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد محمود
الشرطة المجتمعية… شراكة في صناعة الأمن

لم تعد الشرطة المجتمعية مجرد أسلوب حديث في العمل الشرطي، بل أصبحت فلسفة أمنية متكاملة تقوم على شراكة فاعلة بين الشرطة والمجتمع، قوامها الثقة المتبادلة، والوقاية من الجريمة، وحل المشكلات، وتعزيز الأمن والاستقرار.
فالأمن مسؤولية مشتركة؛ وإذا كانت الشرطة تضطلع بالدور الأساسي في إنفاذ القانون وحماية الأرواح والممتلكات، فإن المجتمع يظل شريكًا أصيلًا في الوقاية من الجريمة، ومواجهة السلوكيات التي تهدد أمنه واستقراره، والإسهام في معالجة أسباب الانحراف والفساد.
ومن هذا المنطلق، يقول الله تعالى:
﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: آل عمران: 110]
والخيرية التي تشير إليها الآية الكريمة ليست مجرد وصف، وإنما ترتبط بقيام الأمة بواجب الإصلاح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومواجهة ما يهدد المجتمع من جريمة وفساد وانحراف، ومن ثم، فإن حماية المجتمع وصون أمنه واستقراره مسؤولية تتكامل فيها أدوار الدولة ومؤسساتها والمجتمع وأفراده، كلٌّ في حدود اختصاصه ووفق أحكام القانون.
المساءلة المهنية… تقويم وإصلاح لا اتهام
وفي هذا السياق، تبرز أهمية كتاب « العالم الجديد للمساءلة في العمل الشرطي» (The New World of Police Accountability) للباحث الأمريكي سامويل إي. ووكر، الذي تناول تطور مفهوم المساءلة الشرطية ودورها في الارتقاء بالأداء، وتعزيز المهنية، وترسيخ الثقة العامة.
والمساءلة في العمل الشرطي لا تعني الخروج عن الاحترام ، ولا الانتقاص من الانضباط أو الهيبة المهنية، وإنما تُمارس ضمن أطر قانونية وإدارية وانضباطية واضحة، تحفظ كرامة رجل الشرطة، وتصون حقوق المواطن، وتسهم في تقويم مسار العمل وتطوير الأداء.
فالمساءلة المهنية ليست غايتها البحث عن المخطئ أو توجيه الاتهام، بقدر ما تهدف إلى اكتشاف مواطن الخلل، وفهم أسبابها، ومعالجتها، ومنع تكرارها، وتعزيز الالتزام بالمعايير المهنية. وبذلك تصبح المساءلة جزءًا من منظومة الإصلاح المؤسسي وأداة لترسيخ الانضباط، وليست نقيضًا له.
الرقابة الداخلية… حماية للمهنة وتقويم للأداء
والشرطة، بحكم طبيعة عملها ومسؤولياتها، تمتلك أدوات وآليات للرقابة الداخلية ومتابعة أداء منسوبيها، من بينها الشرطة الأمنية وأجهزة التفتيش، إلى جانب الإشراف الإداري المباشر، ومراجعة الإجراءات، والتقييم والمتابعة، بحسب الاختصاصات والهياكل التنظيمية المعمول بها.
وهذه الآليات لا تمثل خروجًا عن الثقة أو الاحترام داخل المؤسسة الشرطية، وإنما هي جزء أصيل من الانضباط المهني وحماية المهنة؛ إذ تساعد القيادة على اكتشاف مواطن الخلل، وتقويم الأداء، ومعالجة أوجه القصور، والتحقق من مدى الالتزام بالقوانين واللوائح والتعليمات.
ومن هنا، فإن المساءلة المهنية ينبغي أن تُفهم في إطارها الصحيح؛ فهي ليست تشكيكًا في رجل الشرطة، ولا انتقاصًا من هيبته أو مكانته، وإنما ممارسة مؤسسية منضبطة تهدف إلى الإصلاح والتقويم وحماية المؤسسة والمجتمع معًا.
وتزداد فاعلية هذه المنظومة عندما تتكامل الرقابة الداخلية مع التدريب والتوجيه والتقييم المستمر، بحيث يكون الهدف الأساسي هو رفع كفاءة رجل الشرطة، وترسيخ الانضباط، وضمان حسن أداء الواجب وفق القانون.
المواطن… شريك في صناعة الأمن
إن جوهر الشرطة المجتمعية يقوم على أن المواطن ليس مجرد متلقٍّ للخدمة الأمنية، وإنما شريك في الوقاية من الجريمة وصناعة الأمن، وفي المقابل، فإن الشرطة مؤسسة عامة تستمد جانبًا مهمًا من قوتها وفاعليتها من ثقة المجتمع بها.
وتزداد فاعلية هذه الشراكة عندما تقوم على الاحترام المتبادل، وحسن التواصل، والوعي بالحقوق والواجبات، والإبلاغ المسؤول عن الظواهر الإجرامية، والتعاون في معالجة أسبابها.
من مكافحة الجريمة إلى الوقاية منها
وتكمن القيمة الحقيقية للشرطة المجتمعية في الانتقال من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى التعرف على المشكلات قبل تفاقمها، وتحليل أسبابها، والعمل مع المجتمع على معالجتها،
وهذا يتطلب تدريبًا مستمرًا، وإشرافًا فاعلًا، وتقييمًا موضوعيًا للأداء، والاستفادة من الملاحظات والتجارب، بما يجعل المؤسسة الشرطية أكثر قدرة على التعلم والتطوير والاستجابة لمتغيرات المجتمع
نحو أمن مستدام.
إن الأمن المستدام لا يتحقق بالحضور الشرطي وحده، ولا بكثرة الإجراءات الأمنية فحسب، وإنما يتحقق عندما تقوم العلاقة بين الشرطة والمجتمع على الثقة، والاحترام، والتعاون، والالتزام بالقانون.
فالشرطة المهنية لا تنظر إلى المراجعة والتقويم باعتبارهما انتقاصًا من هيبتها، بل تراهما وسيلتين لتحسين الأداء، وترسيخ الانضباط، وحماية المؤسسة من مواطن الخلل.
وفي المحصلة، فإن الشرطة المجتمعية ليست شرطةً أقرب إلى الناس فحسب؛ بل شرطة تعمل مع الناس، وتراجع أداءها ضمن أطر مهنية وقانونية وانضباطية واضحة، وتشارك المجتمع في مكافحة الجريمة والفساد، وبناء أمن أكثر استدامة وثقة.
فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، وإنما بقوة القانون، ومهنية الأداء، وحسن التعامل، وشراكة المجتمع في الإصلاح والوقاية.
والله ولي التوفيق
