أمواج ناعمة المعلم أم ستات الشاي؟! د. ياسر محجوب الحسين بوس
أمواج ناعمة
المعلم أم ستات الشاي؟!
د. ياسر محجوب الحسين
- بوست على تويتر أشد وقعا من وقع الحسام المهندي. يقول صاحبه بحزن عميق: «واصبر لجهلك إن أهنت معلما. واصبر لدائك إن أهنت طبيبا». ثم يروي واقعة مؤلمة جرت أثناء الاحتفال بانتهاء رصد درجات امتحانات الشهادة الثانوية في مباني وزارة التربية والتعليم. كان المفترض أن يكون الاحتفال بالمعلمين الذين صححوا الأوراق، لكن الطعام والمشروبات وُزعت عليهم خارج الصالة وعلى الأرض، بينما أقيم الاحتفال داخل الصالة مع الوزير وأشخاص معينين فقط. هذه الصورة ليست مجرد سوء تنظيم؛ إنها رمز لواقع أعمق يُهان فيه المعلم بعد أن أدى واجبه في أصعب الظروف.
هذه الحادثة تذكرنا بما كتبناه سابقا عن «ستات الشاي.. ورقة سياسية!!». أثار حديث رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مع ستات الشاي والأطعمة موجة اهتمام واسعة، وأعلن عن إقامة آلاف الأكشاك المخصصة لهن في ولاية الخرطوم مع منع الرسوم والجبايات. لم تتعرض فئة اجتماعية للمزايدات السياسية كما حدث مع ستات الشاي منذ تسعينيات القرن الماضي. خاضت منظمات دولية وأطراف سياسية في هذه المزايدات، مستغلة ملامحهن الاجتماعية. ومع الاعتراف بالجوانب الإنسانية والأمنية المرتبطة بهن، تظل الحقيقة أن هذه الفئة حظيت بكم هائل من الاهتمام الرسمي والإعلامي والسياسي. أما المعلم، وهو أرفع درجات المجتمع مكانة لو كان القوم يعلمون، فيُعامل بهذه الطريقة المهينة.
المعلمون ورثة الأنبياء. هذا ليس شعارا عاطفيا، بل حقيقة قررها الحديث النبوي الصحيح: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». المعلم هو الذي ينقل العلم ويصوغ العقول ويغرس القيم. كل مسؤول تبوأ موقعا، ولبس رياشا، واتخذ حاشية، وركب الفارهة، وتقدمته صافرات السارينات في غدوه ورواحه كأنه فرعون في يوم الزينة، لم يكن ليصل إلى ذلك لولا المعلم الذي علمه في صغره وأهله للحصول على الشهادات الأكاديمية والعسكرية. المعلم هو الجسر الذي عبر عليه الجميع من الجهل إلى المعرفة، ومن الهامش إلى المراكز.
في الدول التي تفهم قيمة التعليم، يُكرم المعلم ماديا ومعنويا. في فنلندا تحرص الدولة على تأهيل المعلم بدرجة الماجستير كحد أدنى، ويحظى بمكانة اجتماعية مرموقة واستقلالية مهنية عالية. في سنغافورة تُعامل مهنة التدريس كمسار قيادي، وتُراجع الرواتب باستمرار لتبقى جاذبة لأفضل الكفاءات، ويُستثمر في التدريب المستمر. في كوريا الجنوبية يحظى المعلم باحترام ثقافي عميق متجذر في التراث الكونفوشيوسي، ويُحتفل بيوم المعلم بحماس شعبي كبير. أما في الصين فيصل احترام المهنة إلى أعلى المستويات عالميا حسب مؤشرات المكانة الاجتماعية. هذه الدول تدرك أن الاستثمار في المعلم هو استثمار في مستقبل الأمة. أأدركتم لماذا تقدمت تلك الدول؟.
في السودان يعاني المعلمون تدنيا حادا في الرواتب وعدم انتظامها، ما دفع الكثيرين إلى الإضراب أو هجرة المهنة، خاصة بعد الحرب. رواتب تتراوح بين عشرات الآلاف ومئتي ألف جنيه سوداني لا تكفي أبسط متطلبات الحياة في ظل التضخم، وصرخ معلما قبل أسابيع وهو يقول راتبي لا يكفي لشراء أنبوبة غاز طبخ!!. في المقابل تُخصص جهود رسمية وإعلامية لفئات أخرى، بينما يُترك المعلم الذي يحمل أمانة الأجيال يواجه الإهمال والإهانة.
هذه الواقعة المحزنة يجب أن تكون وقفة جادة لإعادة النظر في تعامل الدولة مع المعلم. ليس المطلوب مزايدات سياسية جديدة، بل سياسات عملية ترفع مكانة المعلم ماديا ومعنويا، وتحمي كرامته، وتجعل مهنة التعليم جاذبة لا منفرة. المعلم ليس موظفا عاديا يؤدي ساعات عمل؛ هو صانع الإنسان وصمام أمان المجتمع. من يُهن معلمه يزرع الجهل في أرضه، ومن يُكرمه يبني مستقبلا يستحقه هذا الشعب الصابر.
