منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حوارٌ يبدأ بإسقاط البلاغات.. فماذا أبقى للعدالة؟! بقلم : حسبو علي بخيت يا أهل السودان.. انتبهوا!

0

حوارٌ يبدأ بإسقاط البلاغات.. فماذا أبقى للعدالة؟!
بقلم ✍: حسبو علي بخيت
يا أهل السودان.. انتبهوا!

حين يصبح الحوار الوطني طريقاً مختصراً لشطب البلاغات، وحين تتحول الملفات القانونية إلى أوراق تفاوض، فالمسألة لم تعد حواراً سياسياً فحسب؛ بل أصبحت سؤالاً خطيراً عن هيبة الدولة، ومكانة القانون، وحقوق الذين دفعوا ثمن الحرب دماً ونزوحاً وتشريداً.
قبل أن يجف حبر التصريحات التي تحدثت عن وقف الإجراءات القانونية بحق عدد من السياسيين والإعلاميين والناشطين المتهمين بمساندة أو التعاون مع مليشيا الدعم السريع، جاء حديث آخر لمولانا درف وزير العدل عن شطب البلاغات.
وهنا نقولها بكل قوة وبصيحة قوية :
ما هذا العبث؟!
كيف انتقلنا من “وقف الإجراءات” إلى “شطب البلاغات”؟!
ومن الذي قرر؟ وبأي سند؟ وما هي حدود هذا القرار؟ ومن يشمل؟ ومن يستثني؟ وماذا عن الملفات التي وصلت إلى القضاء؟ وماذا عن الأحكام التي صدرت؟ وماذا عن حقوق الضحايا.؟ والمتضررين؟
هذه ليست أسئلة ترف سياسي.
هذه أسئلة دولة.
فالسودان لم يدخل هذه الحرب بسبب خلاف على مقعد في حكومة، ولا بسبب خصومة حول بيان سياسي؛ وإنما اندلعت حرب مدمرة بعد تمرد مسلح حاول اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح ، ودفع الشعب السوداني خلالها أثماناً لا تزال البلاد تنزف بسببها حتى اليوم.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو أن نُخرج السياسة من باب، ثم نُدخلها إلى القضاء من الباب الخلفي.
المصالحة مطلوبة.. ولكن المصالحة ليست محو الذاكرة وضياع حقوق الشعب السوداني المكلوم في الأنفس والأموال والأولاد.
والعفو ـ إن كان هو الخيار السياسي الذي تراه الدولة مناسباً ـ ليس عيباً في ذاته، فالدول الخارجة من الحروب تعرف معنى العفو والمصالحات.
لكن العفو الحقيقي لا يكون همساً في التصريحات، ولا قراراً غامضاً يكتشفه الناس من تضارب الروايات.
إذا كان هناك عفو، فليكن عفواً معلناً، واضحاً، محدداً، مستنداً إلى القانون والدستور، ومراعياً لحقوق الضحايا والدماء التي روت أرض السودان والنهب والتدمير الذي طال الدولة.
أما أن تتحول البلاغات إلى “كروت” تُرفع أو تُسحب كلما احتاجت السياسة إلى ذلك، فهذه وصفة خطيرة لضرب الثقة في الدولة وفي العدالة وفي القضاة السوداني.
ثم لنسأل السؤال الذي يبدو أن البعض لا يريد سماعه:
ما الذي يضمن ألا يصبح الحوار الوطني بوابة لإعادة إنتاج التمرد سياسياً بعد أن فشل عسكرياً؟
نعم، يجب أن يكون باب السياسة مفتوحاً أمام من اختار السياسة.
لكن هناك فرقاً هائلاً بين المعارضة السياسية وبين الوقوف إلى جانب مشروع مسلح تمرد على الدولة وحاول انتزاع السلطة بقوة السلاح.
وهنا لا بد أن تكون الدولة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فلا يجوز أن تختلط حرية الرأي بمساندة الحرب، ولا أن تختلط المعارضة بالتعاون مع التمرد، ولا أن تختلط المصالحة بإلغاء المسؤولية.
وإذا كانت لجنة تهيئة الحوار تريد فعلاً صناعة سلام مستدام، فلتبدأ من السؤال الصحيح:
كيف نؤسس لدولة لا يخاف فيها المعارض من القانون، ولا يثق فيها المتمرد بأن السياسة ستمحو كل الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب السوداني؟
أما أن يبدأ الحوار من شطب البلاغات، فذلك يجعل المواطن يتساءل:
هل نحن أمام مشروع مصالحة وطنية؟
أم أمام صفقة سياسية كبرى يجري تسويقها تحت اسم الحوار لإعادة نفايات التمرد والسياسة ؟
وهنا الخطر.
لأن الدولة التي تُضعف القانون من أجل تمرير الحوار قد تكتشف غداً أن الحوار نفسه صار بحاجة إلى قانون يحميه!
لا تبنوا السلام على أنقاض العدالة.
فالسلام الذي لا يحترم حقوق الضحايا ليس سلاماً؛ وإنما هدنة مؤجلة لأزمة جديدة.
والدولة التي تطلب من مواطنيها احترام القانون لا تستطيع في الوقت نفسه أن تعطي انطباعاً بأن القانون يمكن تعطيله متى احتاجت السياسة إلى ذلك.
نحن لا نطالب بالانتقام.
ولا ندعو إلى إغلاق أبواب المصالحة.
بل نطالب بشيء أبسط وأعظم:
الوضوح.
قولوا للسودانيين: ما هو الحوار؟ من أطرافه؟ من يشارك فيه؟ ما حدود المشاركة؟ ما مصير البلاغات؟ وما موقف الدولة من الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب؟ وما الفرق بين المصالحة السياسية والتنازل عن الحقوق القانونية؟
قولوا كل شيء.
فالشعب السوداني ليس قاصراً حتى تُدار قضاياه بالغموض.
والملايين الذين هُجّروا من ديارهم، وفقدوا أحبتهم، وخسروا ممتلكاتهم، وشاهدوا دولتهم تتآكل أمام أعينهم، ليسوا تفصيلاً هامشياً في دفتر الحوار.
إنهم أصحاب المصلحة الحقيقية في الحوار والسلام.
ولذلك فإننا نقول للذين يريدون أن يصنعوا حواراً وطنياً:
لا تجعلوا الحوار مقبرةً للبلاغات.
ولا تجعلوا المصالحة ممحاةً تمحو المسؤوليات.
ولا تجعلوا السياسة فوق القانون.
فإذا كان هناك عفو، فليكن شجاعاً ومعلناً وقانونياً.
وإذا كانت هناك محاسبة، فلتكن عادلة وشفافة.
وإذا كان هناك حوار، فليكن حواراً يعيد بناء الدولة، لا حواراً يعيد تدوير الأزمة بعدة أشكال .
أما أن يعود الذين اختلفوا مع الدولة، ومن وقفوا مع التمرد، إلى المشهد السياسي بمجرد ورقة شُطبت أو بلاغ أُغلق، بينما يجلس الضحايا في مخيمات النزوح ويتجرعون مرارة الفقد، فهنا يحق للسودانيين أن يسألوا بمنتهى الشفافية والوضوح :
أين ذهبت دماء الشعب السوداني ؟
ومن أعطى السياسة حق أن تقول للقانون: تنحَّ جانباً.. لقد بدأ الحوار؟!
هذه ليست دعوة لإقصاء أحد.
إنها دعوة إلى أن تكون هناك دولة.
دولة لا تنتقم، لكنها لا تنسى الجرائم التي حدثت للشعب السوداني وهلكت الزرع والنسل والضرع واوردت البلاد والعباد موارد الشر والهلاك.
نريد دولة تعفو، لكنها لا تعبث بالقانون.
دولة تصالح، لكنها لا تساوم على حقوق الضحايا.
دولة تتحاور، لكنها لا تتنازل عن هيبتها.
فالسودان أكبر من لجنة، وأكبر من مبادرة، وأكبر من أسماء المشاركين في أي حوار.
والرسالة التي يجب أن تصل اليوم إلى الفريق البرهان ورئيس الوزراء وكل من يجلسون حول موائد السياسة:
لا سلام بلا عدالة، ولا مصالحة بلا وضوح، ولا حوار فوق الدولة، ولا أحد فوق القانون.
وإذا كان الحوار الوطني هو الطريق إلى إنقاذ السودان، فليكن حواراً يرفع راية الدولة والقانون.
أما إذا كان الطريق إلى الحوار يبدأ بشطب البلاغات، وينتهي بإعادة تدوير ذات القوى التي ساهمت في صناعة الكارثة، فهذا منتهى العبث عياذا بالله:
هذا ليس حواراً لإنقاذ السودان..
هذا حوار لإنقاذ بعض السياسيين وادخالهم للمشهد مرة أخرى !
والشعب السوداني، الذي دفع فاتورة الحرب كاملة، لن يقبل أن يدفع فاتورة التسوية وحده أيضاً.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.