زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حوار البرهان.. هو يسوي الغلط وأنا أسوي كتر خيرو
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
حوار البرهان.. هو يسوي الغلط وأنا أسوي كتر خيرو
يتحدث الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان عن حوار سوداني شامل ، حوار لا يستثني أحداً من السودانيين ، وكأن البلاد تقف على عتبة لحظة توافق تاريخية تحتاج إلى أن يجلس أبناؤها جميعاً حول طاولة واحدة بحثاً عن مخرج من الحرب والأزمة ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة من هم السودانيون الذين يشملهم هذا الحوار؟ ، ومن هم الذين يُستثنون منه؟ ، في المجالس بل وحتى في حديث بعض أعضاء اللجنة التحضيرية للحوار ، ومن بينهم شلقامي وعثمان ميرغني ، يتردد أن الحوار لكل السودانيين ، لكن المؤتمر الوطني مستثنى.
وهنا تصبح المفارقة أكبر من مجرد خلاف سياسي ، كيف يكون الحوار سودانياً شاملاً ، ثم يُرسم خط أحمر أمام حزب بعينه ، بينما تُفتح الأبواب أمام قوى وشخصيات لم تتوقف عن مهاجمة الجيش وقيادته؟.
إن كان الحوار هو الطريق إلى المصالحة الوطنية ، فالمعيار يجب أن يكون واضحاً وعادلاً ، لا أن يصبح الانتماء السياسي وحده سبباً للإقصاء ، فإذا كان من قالوا بالأمس إن البرهان قاتل ، وإن الجيش يجب تفكيكه ، ومن اتهموا القوات المسلحة بارتكاب جرائم كبرى ، بل وذهب بعضهم إلى اتهامها باستخدام الأسلحة الكيميائية ، سيجلسون اليوم إلى طاولة الحوار ، فهذه هي طبيعة الحوار السياسي الذي يفترض أن يستوعب الخصوم ويحول الخلاف من ساحات الحرب والاتهام إلى ساحة السياسة ، ولا أقول ذلك دفاعاً عن أي شخص أو تيار ، وإنما أسأل عن المعيار ، فإن كان الحوار يتسع لمن اتخذوا مواقف سياسية وإعلامية شديدة العداء للجيش وقيادته ، فلماذا لا يتسع للمؤتمر الوطني؟ ، الذي قاتل شبابه إلى جانب الجيش ، كتفاً بكتف وخندقاً بخندق ، فمنهم من مضوا إلى علياء الشهادة؟ ، ومنهم الأسرى؟ ، ومنهم من لا يزال مصيرهم مجهولاً؟ ، ومنهم من ما زال في ميدان القتال من شباب وعضوية المؤتمر الوطني ، المستثنى من الحوار بقول البرهان إلا المؤتمر الوطني.
وهم الذين لم يتسابقوا إلى المطارات والمنافذ البرية بجوازات أجنبية حين كانت المليشيا تحاصر القيادة العامة وتضيق الخناق على البرهان بداخلها ؟ ، هل يكون كل ذلك بلا قيمة أمام بطاقة الانتماء الحزبي؟ ، إن كان هناك من ارتكب جريمة ، فالقانون والقضاء هما الفيصل ، وإن كانت هناك دعاوى جنائية ، فليُترك أمرها للمؤسسات العدلية ، لا أن تتحول الهوية السياسية إلى حكم جماعي بالإدانة ، وإن كان لا بد من استثناء أحد من الحوار ، فأحق بالاستثناء من حمل السلاح في وجه الدولة وناصر المليشيا ، ومن وقف سياسياً وإعلامياً في صفها ، لا من قاتل إلى جانب الجيش دفاعاً عن بلده ، أما أن يُستبعد حزب بأكمله بينما يُفتح الباب أمام آخرين ، فذلك لا يبدو حواراً شاملاً بقدر ما يبدو إعادة ترتيب للمشهد السياسي وفق موازين جديدة.
وإن استعصى على صانعي الحوار الاتفاق على من يشارك ومن يُستثنى ، فليُرد الأمر إلى صاحبه الحقيقي الشعب السوداني ، دعوا الشعب يختار ، دعوا السودانيين يحددون من يمثلهم ، ومن يريدون أن يجلس إلى طاولة الحوار باسمهم ، ومن يريدون أن يستبعدوه ، فليس من حق أحد أن يمنح نفسه سلطة توزيع صكوك الوطنية ، أو أن يقرر وحده من هو السوداني الذي يستحق أن يكون جزءاً من مستقبل بلاده ، الشعب هو صاحب الحق في الاختيار ، وصندوق الاقتراع هو الفيصل.
والأكثر إثارة للأسئلة أن بعض الخطابات التي صدرت من قيادات في قوى سياسية مناهضة للبرهان ، كانت أشد قسوة مما يمكن أن يتخيله المرء من خصم سياسي ، وما قاله خالد سلك في حق البرهان ، على قسوته ، يبدو قليلاً إذا قورن ببعض ما صدر عن قيادات وشخصيات في القوى ذاتها ، فقد كتب خالد سلك ، “بإطلاق حملة ترشيح البرهان رئيساً للجمهورية ، وصلنا إلى المشهد الأخير من الفيلم سريعاً جداً ، ها هي إجابة شافية لسؤال حرب من هذه ولماذا؟” ، ثم مضى في اتهامه للبرهان ، فوصف سيرته بأنها «ملطخة بالدماء والخراب» ، وحمله مسؤولية الانقلاب والحرب والدمار ، ووصف ما يجري بأنه «حرب سلطوية ذميمة» و«ثورة مضادة» ، هذا ليس دفاعاً عن خالد سلك ولا هجوماً عليه ، وإنما سؤال عن ازدواجية المعايير ، لو أن أحد قيادات المؤتمر الوطني كتب عن البرهان بهذا المستوى من الاتهام والتجريح ، فهل كان سيُنظر إلى كلامه باعتباره مجرد موقف سياسي يمكن تجاوزه في سبيل الحوار؟ ، وهل كان البرهان سيقبل أن يجلس معه على طاولة واحدة دون أن يطالبه أولاً بالاعتذار أو المساءلة؟ ، إن كانت الإجابة نعم ، فليكن الحوار مفتوحاً للجميع ، أما إذا كانت الإجابة لا ، فهنا يصبح الحديث عن الحوار الشامل بحاجة إلى مراجعة حقيقية ، السياسة لا ينبغي أن تُبنى على قاعدة هذا خصمي ولذلك أستبعده ، وهذا خصمي لكنه مفيد في المرحلة الحالية ولذلك أجلس معه ، الحوار الحقيقي هو أن تجلس مع من تختلف معه لأنك تؤمن أن السودان أكبر من الجميع.
ولا معنى لحوار يُفتح لمن رفعوا سقف الخصومة مع الجيش والبرهان إلى أقصى درجاته ، ثم يُغلق في وجه من اختاروا القتال إلى جانب الجيش لمجرد انتمائهم السياسي ، قد يقول قائل إن المؤتمر الوطني ليس مجرد حزب سياسي ، وإن هناك قضايا قانونية وسياسية تتعلق بقياداته وعضويته ، وهذا نقاش آخر يجب أن يُدار عبر القانون والمؤسسات ، لا عبر الانتقائية السياسية ، فمن ارتكب جريمة فالقانون طريقه ، ومن ثبتت عليه تهمة فالقضاء هو الفيصل ، ومن لم تثبت عليه جريمة فلا ينبغي أن تتحول الهوية السياسية وحدها إلى حكم بالإدانة.
أما الحوار فله منطق مختلف ، إذا كان سودانياً ، فليكن سودانياً ، وإذا كان شاملاً ، فليكن شاملاً ، وإذا كانت هناك استثناءات ، فليُعلن معيارها بوضوح أمام الشعب السوداني ، لا يمكن أن نقول للشعب إننا نريد حواراً يجمع السودانيين ، ثم نبدأ قبل انعقاده بتحديد السودانيين الذين لا نريدهم ، وهنا تحضرني كلمات المغني ، مَمْشُوق القَوَام الما وَجَدتَ نَظِيرُو ، خِصَامُو مَعَايْ أَخيرْ ليَّ مِن مِحَنَة غَيرُو ، جَافَاني العزِيزْ الكُتَّ ديمة نصيرو ، هو يسويّ الغلط وانا اسوي كتر خيرو ، هكذا منطق البرهان مع صمود ، ولعل المفارقة السودانية اليوم أن من كان بالأمس يصفك بأقسى الصفات قد يجد مقعده في الحوار ، بينما من وقف معك في الخندق قد يُطلب منه البقاء خارجه ، وهنا تحديداً يأتي معنى الأغنية هو يسوي الغلط وأنا أسوي كتر خيرو.
فهل يصبح تجاوز الإساءة والاتهام والخصومة فضيلة حين يكون الخصم من جهة ، بينما يصبح الانتماء السياسي جريمة لا تُغتفر حين يكون من جهة أخرى؟ ، السودان لا يحتاج حواراً لتبادل الاتهامات ، ولا حواراً لتوزيع صكوك الوطنية ، يحتاج حواراً لا يسأل السوداني أولاً أنت مع من؟ ، بل يسأله: ماذا تستطيع أن تقدم للسودان؟ ، فالسودان أكبر من البرهان ، وأكبر من المؤتمر الوطني ، وأكبر من صمود ، وأكبر من كل القوى السياسية والعسكرية.
ومن أراد أن يصنع سلاماً دائماً ، فعليه أن يتذكر أن السلام لا يبدأ بالإقصاء ، ولا يُبنى بالانتقائية ، ولا يستقيم بمنح البعض فرصة الحديث عن مستقبل السودان بينما يُمنع آخرون من مجرد الجلوس إلى الطاولة ، دعوا الشعب يختار، ثم احترموا اختياره… لنا عودة.
