زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حين يفشلون في قتلك… يساهمون في نجاحك
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
حين يفشلون في قتلك… يساهمون في نجاحك
الأمر أسهل مما تتخيل ، ولا يحتاج إلى مؤامرة كبيرة ولا إلى قرار مكتوب ، ولا لأداة قتل حادة ، يكفي أن تقلل من شأن مبدع كلما أنجز شيئًا ، وأن تسخر من أفكاره كلما حاول أن يخرج عن المألوف ، وأن تجعله يشعر بأن ما يفعله لا يستحق كل هذا الجهد ، يمكنك أن تقتل الموهبة بالتقليل منها ، وأن تطفئ شغف صاحبها بكلمة أو بجملة ، وأن تجعله يشك في نفسه بمجرد أن تقارنه بغيره وتكرر أمامه أن هناك من هو أفضل منه.
يمكنك أيضًا أن تتجاهل إنجازاته ، وأن تنسب نجاحه للصدفة أو لغيره ، وأن تبحث عن أخطائه الصغيرة وتغض الطرف عن كل ما أنجزه ، ومع الوقت سيبدأ المبدع في النظر إلى نفسه بعين الآخرين ، لا بعينه هو ، وسيصبح السؤال الذي يؤرقه ليس ماذا يستطيع أن يقدم ، بل هل ما يقدمه يستحق أصلًا ، وهناك طريقة أخرى أكثر قسوة ، وهي أن تفتح له الباب ثم تغلقه في وجهه كلما اقترب من النجاح ، أن تمنحه الفرصة ثم تسحبها ، وأن تستبعده حين يكون في أمس الحاجة إلى الدعم ، وأن تمنح الفرص لمن هم أقل كفاءة فقط لأنهم أكثر قربًا أو أكثر قدرة على المجاملة ، يمكنك أن تعاقبه على محاولاته ، وأن تجعل كل تجربة جديدة مخاطرة ، وكل خطأ جريمة ، حتى يتعلم الصمت بدلًا من الإبداع ، والابتعاد بدلًا من المبادرة ، والأخطر من ذلك كله أن تسرق فكرته ثم تتصرف وكأنها لم تكن موجودة أصلًا ، أو أن ترى نجاحه فتتعمد تهميشه ، لأن الاعتراف بموهبته يعني الاعتراف بأنه استطاع أن يصنع شيئًا لم تستطع أنت صنعه.
هكذا تُقتل المواهب بالتقسيط ، لا تموت الموهبة في يوم واحد ، وإنما تموت كلما تكرر على صاحبها أن أفكاره لا قيمة لها ، وأن أحلامه أكبر من قدراته ، وأنه ليس أفضل من غيره ، وأن عليه أن يعرف حجمه ويجلس في المكان الذي اختاره له الآخرون.
لكن هنا تبدأ الحكاية الأخرى ، فليس كل مبدع قابلًا للقتل بهذه السهولة ، هناك مبدع حين يُهمش لا ينكسر ، بل يبدأ في البحث عن طريق آخر ، وحين تُغلق أمامه الأبواب لا يقف طويلًا أمامها ، بل يصنع لنفسه بابًا جديدًا ، وحين يُقال له إن فكرته لن تنجح ، لا يدخل في معركة طويلة لإثبات ذلك بالكلام ، وإنما يترك النتائج تتحدث عنه ، هناك من يحول التقليل منه إلى دافع ، والتهميش إلى طاقة ، والنقد إلى مدرسة ، والفشل إلى خبرة ، والرفض إلى بداية جديدة ،
المبدع الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى التصفيق كي يستمر ، ولا إلى شهادة الآخرين حتى يعرف قيمة ما يملك ، هو يعرف أن الموهبة أمانة ، وأن عليه أن يطورها ويحميها ويمنحها المساحة التي تستحقها ، حتى لو لم يجد من يصفق له في البداية ، وإذا قارنوك بغيرك ، فلا تجعل المقارنة تسرق منك هويتك ، قارن نفسك بنفسك ، وانظر إلى ما كنت عليه بالأمس وما أصبحت عليه اليوم ، فالمنافسة الحقيقية ليست مع الآخرين ، وإنما مع النسخة القديمة منك ، وإذا سرق أحدهم فكرتك ، فلا تجعل ذلك نهاية الطريق ، اجعل فكرتك الأولى بداية لعشر أفكار جديدة ، وإذا أخذ أحدهم فرصة كنت تستحقها ، اصنع فرصة أكبر منها ، وإذا حاولوا إقناعك بأنك لا تستطيع ، اجعل قدرتك على الاستمرار هي الإجابة ، لا تجعل الذين لم يؤمنوا بك يحددون سقفك ، ولا تجعل بابًا أغلق في وجهك يجعلك تعتقد أن الطريق انتهى ، أحيانًا يكون التهميش الذي أرادوا به إبعادك هو الذي يدفعك إلى صناعة حضور لا يستطيعون تجاهله ، وأحيانًا تكون محاولات كسر ثقتك بنفسك هي التي تعلمك أن تبني ثقتك على ما تعرفه عن نفسك ، لا على ما يقوله الآخرون عنك.
لقد يحاول البعض قتل المبدع لأن وجوده يزعجهم ، أو لأن نجاحه يكشف عجزهم ، أو لأن حضوره لا يسمح لهم بالاحتفاظ بكل الضوء لأنفسهم ، لكن المبدع الذكي لا يدخل في معركة مع كل من يحاول إطفاءه ، إنه ببساطة يشعل نفسه أكثر ، لذلك لا تخف ممن يحاولون تسبيطك ، وخف فقط من اليوم الذي تصدق فيه أنك أقل مما تستطيع أن تكون ، فمن حاولوا قتلك ربما منحوا لك دون أن يشعروا أقوى أسباب الحياة ، ومن أغلقوا الأبواب في وجهك ربما دفعوك إلى اكتشاف قدرتك على صناعة أبوابك بنفسك ، ومن شككوا في موهبتك ربما كانوا السبب في أن تعمل عليها أكثر حتى تصبح حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها ، هناك من يحاول قتل المبدع ، وهناك مبدع يجعل من كل محاولة لقتله سببًا جديدًا للحياة والنجاح… لنا عودة.
