البعد_الاخر مصعب بريــر روشتة لإصلاح المؤسسات لا وزارات جديدة: نقد علمي لمقال البروفيسور مأمون حميدة
البعد_الاخر
مصعب بريــر
روشتة لإصلاح المؤسسات لا وزارات جديدة: نقد علمي لمقال البروفيسور مأمون حميدة ..!
في زحمة هذا الزمن المثقل بالبارود والخوف، نسينا عدواً صغيراً لا يملك طائرات ولا مدافع، لكنه قادر على إرباك بيوتنا؛ إنه “البعوض” الذي استغل غفلتنا لينهش أجساداً متعبة بطبعها.
طالعنا مقالاً قيماً للبروفيسور مأمون حميدة، القامة العلمية المرموقة، يروي فيه تجربته الشخصية مع الملاريا بمستشفى علياء، مقدماً رؤيته لمستقبل الصحة.
وإذ نثمن هذه الشهادة النابعة من حرص أكيد على عافية المواطن، فإن المنهج العلمي يقتضي منا مناقشة بعض الاطروحات، ليس انتقاصاً من قدر البروف فهو خبرة طبية راسخة ننهل من نبعها ولا نكتفى، بل إثراءً للحوار الطبي وتوجيهاً للسياسات الصحية نحو مسارها الأدق.
أولاً: أزمة الدواء المغشوش
لقد أصاب البروفيسور كبد الحقيقة حين سلّط الضوء على انهيار الرقابة الصيدلانية، وتسلل الأدوية المغشوشة مثل “الأنتميثر”. هذه كارثة واقعية تستوجب تدخلاً عاجلاً لحماية أرواح الناس من فوضى التهريب وسوء التخزين في زمن الحرب.
ثانياً: السلوك الوبائي للملاريا
أشار المقال إلى تغيّر في سلوك ناقل الملاريا ليصبح نهارياً، وإلى ظهور ما سُمي بـ”الملاريا الرئوية”. من المنظور الوبائي الدقيق، لا تميل الأدلة إلى حدوث طفرة جينية تجعل أنثى “الأنوفيلس” تلدغ نهاراً، بل الأرجح أنه تداخل ميداني مع بعوضة “الآيديس” الناقلة لحمى الضنك والتي تنشط نهاراً وتتوافر بكثافة الان لانهيار تدخلات مكافحة النواقل المعلومة.
أما المضاعفات الرئوية فهي متلازمة معروفة عالمياً (الوذمة الرئوية) تصاحب حالات الملاريا الشديدة، وليست سلالة جديدة. كما أن ربط الإصابة المفرطة بانخفاض مناعة العائدين من الخارج يحمل وجاهة نظرية، لكن العامل الوبائي الحاسم يظل الكثافة العالية للبعوض وتدهور صحة البيئة بالداخل.
ثالثاً: الحلول المؤسسية لا الهيكلية
اقترح الكاتب إنشاء “وزارة خاصة بالملاريا”. رغم نبل الغاية، إلا أن الواقع الاقتصادي المنهك لا يحتمل هياكل إدارية جديدة. التجارب الدولية الناجحة، كالهند والبرازيل، أثبتت أن الحل يكمن في تقوية الأجسام القائمة؛ عبر تفعيل “مجلس الأدوية والسموم”، ودعم المعمل القومي، وتعزيز قدرات الإدارة القومية لصحة البيئة وإعادة احياء البرنامج القومي لمكافحة الملاريا ودعمهما بالكوادر والميزانيات، بدلاً من تشتيت الجهود في وزارات موازية.
لقد ظللنا نطالب بتنفيذ قانون صحة البيئة 2009م وتكوين المجلس القومى لصحة البيئة وترفيع صحة البيئة لادارة عامة وارى انه ان الأوان لهذه الخطوة المهمة للأمن الصحى السودانى.
ماذا يعني هذا للمواطن؟
بالنسبة لـ”عم عبد الله” في سوق ليبيا، أو “أم محمد” في أم درمان، الجنيه الذي يُنفق على حقنة مغشوشة بقيمة 40 ألف جنيه هو اقتطاع قاسي من قُوت عيالهم. الحل ليس في لافتات الوزارات الجديدة، بل في ضمان وصول دواء آمن للمراكز الصحية، ورفع النفايات من برك الشوارع ليقف تكاثر البعوض.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن احترامنا للعلماء يكتمل بمناقشة أفكارهم بموضوعية، فالمعرفة تُبنى بالتكامل النقدي لا بالتسليم المطلق، والتفاعل الذى وجده مقال البروفيسور مامؤن حميدة يؤكد قوة التأثير العلمى والمهنى الذى يتماع به الرجل فى اروقة القطاع الصحى والأكاديمي نسأل الله لاستاذنا الجليل تمام الصحة والعافية.
أخيرًا، رسالتنا لقادة القطاع الصحى، حين نوجه بوصلتنا نحو إصلاح المؤسسات القائمة بضمير، نكون قد بدأنا العلاج الحقيقي؛ فالأوطان لا تتعافى بالمسكنات الإدارية، بل بالتشخيص الدقيق والعمل المؤسسي الرشيد.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
