منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر لماذا تضيق خيمة «حوار الصحفيين» بأهلها ..؟!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
لماذا تضيق خيمة «حوار الصحفيين» بأهلها ..؟!

 

في بيوتنا السودانية القديمة، حين تقع نازلة أو يشتد الخطب، تتسع “البرندة” للجميع. لا أحد يسأل عن سعة المكان أو جودة الكراسي، بل عن سعة الصدر وتكاتف الأيدي. الخسارة الحقيقية لا تكون في قلة الزاد، بل في الشعور بأن صوتك لم يعد مطلوباً في لحظة المواجهة. هل سألت نفسك يوماً لماذا يؤلمنا الإقصاء، حتى وإن كان غير مقصود، أكثر من الألم نفسه؟

هذا ليس حديثاً عن عاداتنا الاجتماعية الجملية، بل هو عما نعيشه اليوم في فناء مهنة المتاعب، وما نخسره بصمت وسط ضجيج الرصاص. ما يحدث باختصار هو الجدل الكثيف الذي أعقب مؤتمر “حوار الصحفيين” الأخير. في ذروة معركة الكرامة، وحيث تقف الأقلام في خندق واحد مع الوطن، جاءت فعالية الاتحاد العام للصحفيين مقتصرة على أسماء بعينها. النوايا بلا شك قد تكون سليمة، لكن النتيجة أشعلت فتيل خلاف إيجابي وعميق كنا نظن أن نار الحرب والشتات قد التهمته، وعادت بالأسئلة النقابية الصعبة إلى الواجهة.

السبب الظاهر الذي يراه الجميع، وكما ساقه القائمون على الأمر ودافع عنه بحسن ظن زملاء مثل الدكتور عمر كابو، هو ظروف الحرب المعقدة. منطق الأشياء يقول إن التنظيم في زمن النزوح القسري يفرض قيوداً لوجستية ومبررات واقعية تجعل حصر الدعوات أمراً إدارياً مفهوماً. النتيجة المباشرة لهذا الحصر كانت عتباً وغضباً من أقلام وطنية أخرى، رأت في الأمر تجاوزاً لتضحياتها ومعاناتها في معسكرات النزوح أو أقبية الاعتقال البربري. لكن ما لا يُرى بوضوح هنا، هو أن هذا التبرير الإداري البحت مسّ عصب الانتماء. النقابة في أوقات الأزمات ليست قاعة مؤتمرات محدودة المقاعد، النقابة خيمة. وعندما تضيق الخيمة، لا نغلق الباب، بل نرفع أطرافها ليدخل الجميع.

هذا يشبه تماماً رب الأسرة الذي يشتري رغيفاً قليلاً بحجة ضيق ذات اليد، ثم يطعم بعض أبنائه ويطلب من الباقين تفهم الموقف. الجوع لن يقتلهم، لكن التفرقة ستترك شرخاً في قلوبهم. طيب، ماذا يعني هذا التجاذب للمواطن البسيط في أسواقنا وحاراتنا المكتوية بنار الحرب؟ المواطن الذي ينتظر من الإعلام أن يكون بوصلته، حين يرى البوصلة نفسها تتجادل حول من يحق له الإمساك بها، قد يتسرب إليه الشك.

في تجارب النقابات الناجحة عالمياً، عندما تحل الكوارث، تُستبدل القاعات المغلقة بالمنصات المفتوحة. التكنولوجيا اليوم لم تترك عذراً. كان يمكن إيجاد مقاربة أكثر ذكاءً عبر حوار رقمي واسع ومدمج، لتكون الرسالة واضحة: نحن في الشتات، لكننا على قلب رجل واحد.

لا أحد يزايد على وطنية قيادة الاتحاد، ولا على الأسماء التي شاركت ووقفت سداً منيعاً ضد التفكيك العبثي في الماضي أو التمرد في الحاضر. مجرد الانعقاد بإرادة سودانية خالصة هو نجاح يحسب لهم، وشرف الزمالة يقتضي ألا نشكك في النوايا. وحتى مدير جهاز المخابرات العامة، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، بذكائه وخبرته أدرك هذه الفجوة سريعاً فالتقط القفاز، منوهاً بضرورة إقامة حوار يضم بقية المنتسبين للاتحاد. وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة؛ القيادة لا تحتاج فقط إلى حسن النوايا لتبرير الأخطاء، بل تحتاج إلى شجاعة الابتكار والتفكير خارج الصندوق لتوحيد الجبهة. وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي يجب أن ندرك فيها حجم ما هو على المحك لمستقبل سودان ما بعد الحرب.

بعد اخير:

خلاصة القول، الأوطان الممزقة لا تُخاط بإبرة صدئة، والكلمة التي يُراد لها أن توحد صفاً في معركة مصيرية، لا يمكن أن تصدر من بيت منقسم على نفسه. شرف الزمالة ليس مجرد مسايرة ومجاملات نتبادلها في المقالات، بل هو خندق ندفع ثمنه معاً، ونجلس فيه معاً، أو نتركه فارغاً للتاريخ.

أخيراً، عندما تسكت بنادق هذه الحرب يوماً، وتنجلي غيمة الدخان عن حوشنا السوداني الكبير، لن يتذكر الناس مَن الذي جلس في الصف الأول من المؤتمرات المريحة. سيتذكرون فقط، وبدقة موجعة، مَن الذي ترك الباب موارباً حين حاول الآخرون إغلاقه.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.