لو كنتُ الوالي =============== ✍️ كتب/ حسن البصير
لو كنتُ الوالي
===============
✍️ كتب/ حسن البصير

*لو حقق الله لي رؤية جدي المنامية، وأصبحت والياً كما تنبأ لي، فستكون أولى قراراتي أن أبحث عن الكرسي الذي طالما جلس عليه من سبقوني، لأتأكد هل له مسامير تُثبّت الجالس عليه، أم أن الجالس هو الذي يثبت فيه حتى إشعار آخر! وسأتولى الولاية بحقها ومستحقيها، لا بحق القرابة والترضيات ولعل رؤى الأجداد ليست جديدة في السودان؛ فقد سبق جدُّ البرهان جدّي برؤية تُوّج بعدها رئيساً للبلاد، ولذلك لا أستبعد أن يكون حلم جدي مجرد «إعلان وظيفة» تأخر تنفيذه قليلاً.
▪️ويوم يتم إعلاني والياً، سأخرج للناس في الميديا وأقول: لقد وُلّيت عليكم، ولست بأفضلكم، فإن رأيتموني مقصراً في الخدمات، وبيتي عامراً بالولائم والحفلات، أو ظهرت عليّ معالم الثراء، وصار لدي أسطول من العربات والحراسات، فقوموني بالمظاهرات، ولا تنتظروا حتى تتحول الولاية إلى «شركة مساهمة خاصة» باسمي!
▪️وسأبدأ أول ما أبدأ باختيار بطانة لا تصفق قبل أن تفهم، ولا تمدح قبل أن تعمل. سأبعد المطبلين والمتسلقين والمنافقين، وأجمع حولي قوماً يُشهد لهم بالورع والزهد في الكراسي؛ لأن بطانة السوء لا ترى عيوب الوالي، بل ترى فيها «إنجازات استراتيجية»، وتحول الفشل إلى خطة، والفضيحة إلى إنجاز، والسرقة إلى «تصرف مالي».
▪️وفي المالية سأستعين برجل أعمال تجارته أكبر من ميزانية الولاية كلها، حتى إذا مد يده إلى المال ارتعشت يده خوفاً لا طمعاً. وسيكون شغلي الشاغل انتشال الفقراء من تحت خط الفقر، لا انتشالهم من مؤتمر إلى مؤتمر لمكافحة الفقر، ثم تعود توصيات المؤتمرات إلى سلة المهملات.
سأجعل مال الزكاة يصل إلى مستحقيه بلا واسطة ولا تصوير أمام كرتونة رمضان. وسأعطل حملات الجباية والكشات على بائعات الشاي وصغار التجار؛ فهؤلاء يطاردون لقمة العيش، وإذا رحمناهم أنزل الله علينا الرحمة.
▪️وفي الصحة لن أفتتح مستشفى بالشريط وأهرب. سأدخل العنابر لأرى هل الدواء موجود، أم أن الروشتة أصبحت أغلى من العلاج. وسأوفر معينات الطوارئ والحوادث قبل أن نتصور مع المريض. وفي التعليم سأزور المدارس بلا إخطار، وأجلس في المقعد الأخير مع التلاميذ، لأتأكد أن الكتاب وصل، والطبشيرة موجودة، والمعلم يأكل ما يكفيه آخر الشهر.
▪️أما معاش الناس فسأواجه الغلاء بالعمل لا بالبيانات. سأخفض رسوم المحليات التي تخنق الباعة، وأتابع أسعار السلع بنفسي، وأخصص جزءاً محترماً من الميزانية لأسر الشهداء وذوي الاحتياجات الخاصة.
ولن أحكم من وراء تقارير مفبركة. سيكون لي مكان في كل سوق، أجلس فيه ساعة أسمع المواطن مباشرة. وسيظل باب بيتي ومكتبي مفتوحاً، بلا طوابير من حراس مدججين أو مدير مكتب متسلط .
▪️سأتخفى كل أسبوع في ثياب قروي، وأبيت ضيفاً في قرية بلا بروتوكولات، آكل مما يأكلون وأشرب مما يشربون، وأسألهم: ما رأيكم في الوالي؟ فإن قال الأغلبية: «ما دايرنو»، سأرحل وأقدم استقالتي قبل أن يطلبوها
مني.
لن يكون لي موكب ولا تشريفة ولا حماية. سأقود سيارتي بنفسي، وأقف في نقاط التفتيش متنكراً لأصطاد التجاوزات وأقطع دابر من يبتز المواطن الضعيف.
▪️فأنى أعلم أن الولاية لا تدوم، فلو دامت لغيري ما آلت إليّ، ولكن ما دام القلم بيدي ليوم أو عام، فسأحكم كأنني عابر سبيل يخشى الحساب
