أمواج ناعمة الحوار.. واقع أمني ورمال متحركة د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
الحوار.. واقع أمني ورمال متحركة
د. ياسر محجوب الحسين
تداعت في منتصف أغسطس الماضي، وعلى إيقاع الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس القوات المسلحة، أصداء مبادرة أطلقها رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان؛ مبادرة نبعت من مشكاة مجموعة وطنية مستقلة لفتح نوافذ حوار سوداني-سوداني شامل تحت سماء الوطن. تعهدت السلطة بتذليل العقبات اللوجستية، وتشييد حصون الضمانات القانونية والسياسية والأمنية، مع قطع الوعد بترك خطام الحوار لأهله دون تدخل في أجندته أو إملاء لمخرجاته. وفي مستهل سبتمبر الحالي، أطل وزير العدل في مؤتمر صحفي بالخرطوم ليعلن قرارا رئاسيا يطوي صفحة البلاغات الجنائية بحق المشاركين، ويسقط التهم المتعلقة بدعم مليشيا الدعم السريع المتمردة، ويوفر مظلة حصانة إجرائية طوال أمد الحوار. بيد أن هذه الخطوات، التي صيغت كاستجابة لمطالب المبادرة، فجرت جبالا من الأسئلة ورسمت ظلالا كثيفة من الشك حول جدوى الحوار في لحظة فارقة تشخص فيها الأبصار.
من حيث التوقيت، يطل الإعلان كغرس في غير موعده؛ فالإعصار الذي اندلع في 15 أبريل 2023 بين الوطن وجيشه، ومليشيا الدعم السريع ما زال يعصف بالبلاد ولم تُحسم معركته بعد. ولا تزال مساحات شاسعة، في مقدمتها إقليم دارفور الممتد الذي يعادل مساحة فرنسا، تقع تحت وطأة المليشيا، حيث شهد أبريل 2025 ميلاد حكومة موازية أُطلق عليها ”حكومة السلام والوحدة” اتخذت من نيالا احدى كبرى مدن دارفور مقرا لها برئاسة قائد المليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي). كما تمتد مخالب المليشيا لتطال أجزاء واسعة من كردفان، فيما تتصاعد المناوشات في ولاية النيل الأزرق، وتصل مسيرات المليشيا إلى شرايين البنية التحتية والمواقع الحيوية بين الحين والآخر. هذا الواقع الأمني الممزق والمجتمع المكلوم يحرمان قطاعا عريضا من المواطنين من حظر المشاركة والجهر بالرأي: فبعضهم يرزح تحت سيطرة المليشيا، وبعضهم الآخر بات غريبا في أرضه أو طريدا خارج الحدود، بعد أن تجاوزت أعداد النازحين واللاجئين 14 مليونا – نحو 40% من سكان البلاد – وفق التقديرات الدولية.
إن عدم حسم المعركة يلقي بظلال كثيفة من الشك وعدم اليقين. فالمشاركون في الحوار قد يصحون يوما على واقع متداخل إذا ما اضطرت الدولة، تحت ثقل الظروف القاسية، إلى مهادنة المليشيا أو تجرع سلام الأمر الواقع المعلب خارجيا. عندئذ تتهاوى مخرجات الحوار كقصور من رمل، ويُفرض على البلاد ترتيب سياسي مغاير تماما. إن حوارا يستند إلى أرضية أمنية متزلزلة يفتقر إلى الركن الركين لنجاحه: القدرة على صياغة التوافق في قالب واقعي قابل للتنفيذ.
التباس الطريقة وغياب الحياد:
أما من حيث الطريقة، فقد ظهر الإعلان في مؤتمر صحفي أطلقه وزير العدل، حاملا سلة ضمانات فضفاضة: شطب للبلاغات، وحصانة مؤقتة، وفضاء للحريات، وحماية للمشاركين الآتين من الخارج. هذا الأسلوب يبدو كمن يمنح صكا على بياض أكثر منه مسارا سياسيا حصيفا يتشكل في رحاب الاتصالات الهادئة والتفاهمات المستترة واختبار النوايا. ويرى بعض المراقبين أن هذا التسارع المريب قد يصب في نهر المشروع السياسي الخاص بالبرهان، والمتطلع إلى سدة الرئاسة عقب طي الصفحة الانتقالية. ورغم مشروعية الطموح وملاءمة الرجل لمهام المرحلة بحكم موقع القيادة العسكرية، فإن المغازلة الصريحة والمستمرة للتيار اليساري المتصل بالخارج، في مقابل شهر سلاح العزل بوجه تيار آخر، تزيل عنه عباءة القائد المقسط وتقطع حبل الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. هذا الانحياز التأسيسي يضع اللبنات الأولى لمعارضة شرسة ومطبقة ضد أي حكم مستقبلي له، مما ينذر بإبقاء البلاد في دوامة لا تنتهي من الاضطراب السياسي.
تخبرنا صفحات التاريخ السياسي أن الحوارات التي تثمر توافقا دائما ما تسبقها مخاضات غير معلنة تبني جسور الثقة خطوة بخطوة. غير أن الإعلان الصارخ والعرَض السريع، رغم ما يلفه من نيات حسنة، أثار ريبة واسعة لدى قطاعات كبرى حول حقيقة الاستقلال المعلن لهذا الحوار. ويضاف إلى ذلك أن القوى السياسية المتماهية مع المليشيا أعلنت رفضها للدعوة وعدم اعترافها بالسلطة القائمة. هذا الرفض يبرهن على أن ترك التمرد بلا حسم يغري هذه القوى بالانتظار على ضفاف الترقب، أملا في انقلاب موازين القوة أو شروق تسويات قادمة من خلف الحدود. وحوار يولد في ظل رفض أطراف ذات وزن يفقد نصابا كبيرا من شرعيته التمثيلية منذ خطوته الأولى.
وعلى صعيد الآليات، بدت خطوات الحوار مرتبكة وتفتقر إلى بوصلة سياسية ناضجة. فقد شُكلت لجنة تهيئة بقيادة الدكتور قاسم بدري، مدير جامعة الأحفاد للبنات، وهو رجل أكاديمي يفتقر إلى الباع السياسي أو القبول الشعبي العريض. وجاء انتشار مقطع فيديو قديم يظهر تعامله العنيف مع طالبات أثناء احتجاجات جامعية ليزيد الطين بلة، مفرزا تساؤلات ملحة حول قدرته على قيادة مسار يتطلب الحلم والحكمة والالتفاف الوطني. ويرى المراقبون أن ملف الحوار، بأبعاده الوجودية المتصلة بمصير الدولة والسلم المجتمعي، أعمق من أن تُوكل إدارته إلى لجنة تهيئة ضيقة. إن المنطق يقضي بالدعوة إلى مؤتمر شامل يضم كافة الأطياف، يُعد له بعمق، وتُدار جلساته بآليات شفافة وواضحة.
الشمول والإقصاء: دروس التاريخ ومخاطر الاستبعاد:
ويبقى الشمول هو العقبة الكأداء والنقطة الأكثر إشكالية. فقد أُعلن استبعاد حزب المؤتمر الوطني، حزب الرئيس السابق عمر البشير الذي حكم البلاد من 1989 حتى إبريل 2019. غير أن هذا الاستبعاد اتُخذ في نظر الكثيرين كستار لعزل التيار الإسلامي العريض، وهو تيار يضرب بجذوره في أعماق المجتمع والثقافة والاقتصاد. فبعض روافد هذا التيار وقفت بالأمس ضد المؤتمر الوطني وشاركت في اقتلاعه، كما أن الفصل بين قيادات قد تكون اقترفت خطايا وبين قواعد شعبية واسعة لا يمكن مصادرة آرائها هو أمر توجبه الموضوعية والعدالة. إن بناء الحوار على جرف الإقصاء المنهار يفتقر إلى الحكمة وبعد النظر.
وتلوح في الأفق التجربة العراقية عقب الغزو الأمريكي عام 2003 كشاهد عدل؛ فقانون اجتثاث حزب البعث الذي أزاحه من المشهد لم يجلب استقرارا، بل أعاد إنتاج الصراع بأشكال أكثر شراسة وأسهم في شق الصف الوطني. والسودان ليس بمعزل عن هذه الدروس القاسية. إن إبعاد تيار اجتماعي وسياسي أصيل يحول الحوار إلى “حوار طرشان” يرسخ الانقسام بدلا من تضميد الجراح. وتأتي تصريحات البرهان عن تدبير المؤتمر الوطني لمؤامرة انقلابية في سياق التبرير السياسي للإقصاء، وقد تمهد الطريق لإجراءات أمنية تعمق جراح الاستقطاب.
إن العبور من ضيق الأزمة إلى سعة الحل يستلزم حوارا يتسع للجميع، لا يستثني أحدا إلا من رفع السلاح في وجه الدولة ومؤسساتها. وعلى السلطة الحاكمة أن ترتقي إلى آفاق القيادة الوطنية الجامعة، فتضع نفسها فوق الاستقطابات الحزبية، فلا تكون طرفا في الخصام ولا تنحاز إلى فئة دون أخرى. إن السلطة التي تحول نفسها إلى خصم تجرد نفسها من مشروعية القيادة، وتزرع بذور معارضة منظمة تعصف بأي استقرار مرتقب. أما مستقبل العمل الحزبي فيحتاج إلى مراجع الذات: ترسيخ الرشد السياسي، وتفعيل الديمقراطية التنظيمية، وقطع كل صلة بالسلاح، والاستعاضة عنه بالعمل المدني الشريف والمدافعة السلمية.
وطالما أن المؤتمر الوطني يشكل جزءا من تيار عريض يمتلك أدوات التأثير في الاقتصاد والسياسة والثقافة، فإن استبعاده لن يمحوه من الوجود، بل سيحوله إلى قوة ضغط عشوائية وبؤرة توتر لا تهدأ. إن الحكمة تنادي بفتح الأبواب ورأب الصدع لا بذر الشقاق؛ فالإقصاء جسر قصير نحو المزيد من الفوضى، وطريق شاق بعيد المنال عن الاستقرار.
في خاتمة المطاف، يظل الحوار السوداني المعلن سانحة ممكنة إذا ما أُعيد النظر في توقيته وطريقته وشموله وفي حياد السلطة تجاه جميع الفرقاء. فبدون حسم أمني ناجز، وآليات عمل شفافة، ومشاركة جامعة لكل مكونات الأمة غير المسلحة، ووقوف القيادة على مسافة واحدة من الجميع، سيبقى الحوار يتعثر في خطاه، وتظل أطياف التوافق والسلام المجتمعي سرابا لا يُنال. إن السودان أحوج ما يكون اليوم إلى قيادة تسامي فوق المصالح الضيقة والمشاريع الذاتية، وتضع راية الوطن فوق كل اعتبار.
