البروفيسور التِّيجَانِيُّ عَبْدُ القَادِرِ… حِينَ يَرْحَلُ المُفَكِّرُ وَيَبْقَى السُّؤَالُ؟؟ بقلم ✍️:حسبو علي بخيت
البروفيسور التِّيجَانِيُّ عَبْدُ القَادِرِ… حِينَ يَرْحَلُ المُفَكِّرُ وَيَبْقَى السُّؤَالُ؟؟
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

ثَمَّةَ أناسٌ إذا رحلوا لم يتركوا وراءهم فراغاً فحسب، بل تركوا في الذاكرة حفرةً من الأسئلة، وفي العقل ظلالاً من الأفكار، وفي وجدان الوطن شيئاً من الوحشة لا تملؤه الأيام. وثمّةَ رجالٌ لا يكون موتهم انطفاءَ شمعة، لأن الشمعة إنما تنطفئ حين ينتهي نورها؛ أما أولئك الذين عاشوا للعقل والقلم والفكرة، فإن موت أجسادهم لا يطفئ ما أشعلوه في العقول.
في ليلة الجمعة سمع أهل البوادي والحضر مناديا ينادي رحم الله من شهد الصادح بالحق عندما يعز النصيح ورحم الله ناصر الحق عندما يعز النصير فنعي الناعي خبر رحيل البروفيسور الدكتور التجاني عبد القادر حامد في العاصمة القطرية الدوحة، هذا الفقد الجلل والمصاب الأليم الذي يمرّ على القلب اليماً، وعلى العقل ثقيلاً، وعلى السودان الذي عرفه وعرفه أبناؤه، كأنما فقد صوتاً من أصواته التي كانت تقول للناس: تمهّلوا… فإن وراء الحوادث تاريخاً، ووراء الشعارات أفكاراً، ووراء السلطة مسؤولية، ووراء الدين أمانة.
لقد غاب البروفيسور التجاني والوطن تتقاذفه المحن والبلاوي والسودان يتعرض الي اكبر مصيبة في تاريخة السياسي والاقتصادي والامني والاستراتيجي لقد غاب القمر المنير الذي يضي الفيافي والبوادي والحضر في بادية كردفان وأم دم حاج أحمد والوطن العربي والشرق الأوسط وأفريقيا. رحل المنهل العذب الذي ارتشف منه الطلاب حتى الارتواء.
رحم الله البروفيسور التجاني عبد القادر؛ فقد كان رجلاً خرج من رحم الحركة الإسلامية السودانية، ولكنه لم يجعل انتماءه الفكري سجناً لعقله، ولا مرجعيته قيداً على قلمه، ولا قربه من مدرسة سياسية حجاباً يحول بينه وبين النقد.
وهذه، لعمري، إحدى خصال الكبار.
فالكبير ليس من يوافق جماعته في كل شيء، ولا من يخاصمها في كل شيء؛ وإنما الكبير من يملك من الشجاعة ما يجعله يقول للأخ حين يخطئ: أخطأت، وللسلطة حين تجور: جارت، وللفكرة حين تضيق: اتسعي، وللنفس حين تتعالى: تواضعي.
وقد كان البروفيسور التجاني واحداً من أولئك الذين شغلهم سؤال الفكرة قبل سؤال السلطة.
وُلِد التجاني عبد القادر في السودان، وتكوّن في بيئة علمية وفكرية جعلت من الفلسفة والسياسة والقرآن ميادين متجاورة في مشروعه. درس الفلسفة في جامعة الخرطوم، وتخصص في فلسفة السياسة والفكر السياسي الإسلامي، ثم مضى إلى جامعة لندن ليدرس العلوم السياسية والحركات الإسلامية المعاصرة، قبل أن يحمل علمه وتجربته إلى جامعات ومؤسسات أكاديمية في السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات وقطر.
وفي الدوحة وجد في الجامعة ومركز ابن خلدون فضاءً واسعاً لمواصلة مشروعه العلمي، حتى أصبح من الأصوات الأكاديمية المعروفة في الفكر السياسي والدراسات الإسلامية.
ولم يكن إنتاجه الفكري قليلاً ولا عابراً؛ فقد كتب «مشكلة الفقر»، وكتب عن «الفكر السياسي في القرآن المكي»، و«نزاع الإسلاميين في السودان»، و«مقدمة في فلسفة السياسة»**، وترك وراءه بحوثاً في القرآن والسياسة والإصلاح والدولة والمجتمع والثورات والتحولات السياسية.
وكان كتابه عن الفكر السياسي في القرآن المكي علامة بارزة في مشروعه؛ لأنه حاول أن يفتش في النص القرآني عن الأصول والمفاهيم التي يمكن أن تسهم في بناء نظرية سياسية للدولة الحديثة. لا على طريقة استنساخ الماضي، ولكن من خلال محاولة فهم العلاقة بين الوحي والإنسان والمجتمع والفعل السياسي.
وهنا تتجلى قيمة الرجل: لم يكن يتعامل مع القرآن باعتباره نصاً للحفظ وللوعظ فقط، ولا مع السياسة باعتبارها صراعاً على الكراسي فقط، وإنما حاول أن يفتح بينهما نافذةً يسأل من خلالها: كيف يصنع النص وعياً؟ وكيف يتحول الوعي إلى مجتمع؟ وكيف تتحول القيم إلى مؤسسات؟
أما علاقته بالحركة الإسلامية السودانية، فكانت أكثر تعقيداً من أن تختصر في عبارة «قيادي إسلامي».
لقد كان من أبناء المدرسة التي نشأت على فكرة أن الإسلام يمكن أن يكون مشروعاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً، لكنه، مع مرور الزمن، أصبح واحداً من الأصوات التي راجعت تجربة الحركة الإسلامية من الداخل، وسألها أسئلةً ربما كانت أشد إيلاماً لأنها جاءت من رجل يعرف تضاريسها،وخبر دروبها ودهاليزها. ويحفظ مسالكها، ويعرف ما كان فيها من حلم وما آل إليه ذلك الحلم.
كان يرى أن الحركة الإسلامية في بداياتها كانت مشغولة بالفكر ومواجهة التيارات الفكرية الأخرى، لكنه لم يتردد في الاعتراف بأن إنتاجها الفكري لم يكن بمستوى ما كان ينبغي أن يكون عليه مشروعها.
ثم جاء الامتحان الأكبر: امتحان السلطة.
وهناك، في تلك المنطقة الفاصلة بين المعارضة والحكم، اكتشف الرجل واحدة من أخطر مفارقات التجربة الإسلامية السودانية: أن الشعارات التي تُرفع في زمن المعارضة قد تخفت حين تفتح السلطة أبوابها.
كان البروفيسور التجاني واضحاً في نقده لهذا التناقض؛ فقد تحدث عن تراجع شعارات الحرية والديمقراطية بعد وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم، وعن عجز التجربة عن بناء نموذج اقتصادي وفكري متماسك، وعن المشكلات التي نشأت حين أصبحت الحركة جزءاً من الدولة بدلاً من أن تكون قوةً مجتمعيةً تراقب الدولة وتقومها.
ولذلك لم يكن نقده للإنقاذ نقد خصمٍ جاء من الضفة الأخرى، وإنما كان في كثير من الأحيان نقد ابن البيت لأهل البيت.
وذلك أشد مرارة،وقوة. وأشد مسؤولية.
وفي مقالته الشهيرة: «فليأخذ الرئيس عصاه وليرحل»، التي كتبها في أواخر عهد الإنقاذ، بلغ نقده ذروةً واضحة.
لم يرَ أزمة السودان يومها أزمة رئيس فقط، ولا أزمة حزب فقط، بل رأى عللاً قد أصابت الحزب والدولة والحركة الإسلامية معاً؛ وكتب داعياً إلى أن يترك الرئيس الحكم للشعب، وأن يترك للحزب أن يخوض معاركه، وللحركة الإسلامية أن تحدد طريقها ومصيرها.
وهنا تظهر شجاعة المفكر الحقيقي:
أن يقول ما يعتقد، لا ما يصفق له الآخرون.
وأن يجعل من القلم شاهداً، لا تابعاً.
وأن يعرف أن الصمت قد يكون أحياناً خيانةً للفكرة، كما أن الكلام قد يكون أمانةً ثقيلة لا يحملها إلا من قوي قلبه على حملها.
وكان المفكر التجاني أيضاً من الذين لم يروا سقوط الإنقاذ خاتمة الكتاب.
فبعد الثورة السودانية، اتجه إلى السؤال الأصعب:
وماذا بعد سقوط النظام؟
وفي دراسته «الثورة السودانية وآفاق الانتقال الديمقراطي» بحث في أسباب سقوط النظام، ودور القوى الداخلية والخارجية، واحتمالات المسار الديمقراطي بعد الإنقاذ، محذراً من إمكان إعادة إنتاج نظام هجين يحتفظ فيه بعض الفاعلين القدامى بمفاصل السلطة مع إبقاء مساحة محدودة للديمقراطية.
وهكذا ظل الرجل وفياً للسؤال الذي صاحبه طويلاً:
كيف نبني دولة لا تبتلع الحركة، ولا تبتلع الحركة الدولة، ولا يتحول الدين إلى جسرٍ للسلطة،وسلم يتسلق به أرباب المصالح الشخصية الي سنام السلطة ولا تتحول السلطة إلى خصم على الدين والمجتمع؟
ذلك سؤالٌ أكبر من حزب، وأكبر من حقبة تاريخية.
ولم يكن البروفيسور التجاني عبد القادر أسير السياسة السودانية وحدها.
فقد حمل قلمه إلى القرآن، وإلى فلسفة السياسة، وإلى النموذج الخلدوني، وإلى الثورات العربية، وإلى قضايا الإصلاح والمنهج.
كتب عن القرآن المكي، وعن الاستشراق، وعن السياسة، وعن المجتمع، وواصل إنتاجه الأكاديمي حتى السنوات المتأخرة من حياته؛ ومن أعماله الحديثة دراسة تناولت السورة القرآنية كوحدة مستقلة للتحليل، منشورة في Islamic Studies عام 2024.
وكأن الرجل كان يعرف أن العمر قصير، وأن الفكرة أطول من العمر، وأن الكتاب قد ينام في رف، ثم تستيقظ منه أجيالٌ لم يرها صاحبه ولم يعرف أسماءها.
رحم الله البروفيسور التجاني عبد القادر حامد.
رحم الله رجلاً لم يجعل العلم زينةً على اللسان، ولا الشهادة تاجاً على الرأس، وإنما جعل المعرفة مسؤولية، والفكر أمانة، والقلم شاهداً على صاحبه.
رحم الله رجلاً عاش بين الفكرة والحركة، وبين النص والواقع، وبين الدعوة والسياسة، وبين الحلم والسلطة، فشهد بعينيه كيف يمكن للفكرة أن تكبر، وكيف يمكن للسلطة أن تغيّر بعض أصحابها، وكيف يمكن للنقد أن يصبح في بعض الأحيان أصدق وجوه الوفاء لأهل الوفاء والاخلاص لأهل الإخلاص.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى أن يرث من البروفيسور التجاني عبد القادر أسماء كتبه فحسب؛ بل يحتاج أن يرث منه شجاعة السؤال.
فالسودان الذي أرهقته الحرب والدمار الإقتصادي يحتاج إلى عقول تسأل قبل أن تطلق الأحكام.
والسودان الذي أتعبته الشعارات يحتاج إلى فكر يزن الشعار بميزان العمل وقول الحق والحكمة والهدايا والرشاد.
والسودان الذي أكلت السلطة فيه رجالاً وأحزاباً وحركات يحتاج إلى من يقول إن الدولة ليست غنيمة، وإن الحكم ليس إرثاً، وإن الدين أكرم من أن يكون مطيةً لسلطان، وإن الوطن أوسع من حزب، وأبقى من حاكم، وأعز من جماعة.
رحم الله البروفيسور التجاني عبدالقادر احد رجال السودان الأوفياء ورجل الحركة الإسلامية القوي الذي عهدنا فيه صدق التوجه والحياد وعدم الإنحياز إلا للحق نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا لقد جمع الفقيد بين علوم الدين والفلسفة والسياسة وعلم الإجتماع وله عدد من البحوث وكان صاحب مكانة علمية وفكرية عالية بدولة قطر.
نسأل الله أن يسكنه جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين وان يجعل جلائل الأعمال التي قدمها في ميزان حسناتة وأن يلهم أهله في شمال كردفان منطقة ام دم وعارفي فضله وطلابة في الوطن العربي الصبر والسلوان وحسن العزاء على فقده الجلل ومصابه الأليم.
رحم الله بروف التجاني وافر العلم جم التواضع حسن الاخلاق عميق المعرفة سديد الراي تعلوه الابتسامة وفي قوله الصدق والصرامة ،احبه اخوته وتلاميذه ومن قرا له،، اللهم اعل مقامه في الجنه واغفر ذنبه وألهم أهله وأفراد اسرتة وزوجته أم عمر وولده عمر الصبر الجميل على فقده الجلل ومصابه الأليم.
يمضي الخيار وتنقضي آجالُهُمْ
لٰڪِنَّ شَمْسَ صَنِيعِهِـمْ لا تَغْرُبُ
رحم الله المفكر التجاني…
فقد سكت صوتك، ولكن الأسئلة التي زرعتها في الطريق لم تسكت.
وقد غاب وجهك عن المجالس، ولكن الكتب التي خطها قلمك سوف تكون نبراسا يهتدي به السالكين في غسق الدجى وستظل تفتح أبوابها لمن جاء بعدك.
لقد انطفأ المصباح في الدوحة، ولكن بعض الضوء الذي حملته من السودان إلى مدائن العلم لن ينطفئ.
فما أقسى أن ننعي المفكر قبل أن نكتفي من أسئلته!
وما أثقل أن يمضي صاحب القلم ويبقى القلم!
وما أوحش أن يغلق الرجل كتابه الأخير، بينما الوطن لم يفرغ بعد من قراءة الصفحة الأولى!
إن الرجال يموتون، ولكن الأفكار لا تُدفن معهم.
والعلماء يرحلون، ولكن أثرهم يبقى في العقول.
والأقلام قد تسكنها اليد، ولكن ما كتبته اليد لا يسكن.
فنم قرير العين يا أبا عمر ويارائد الفكر والمعرفة؛ فقد تركت وراءك أثراً لا يُقاس بعدد السنين، وإنما بعمق الأسئلة التي أيقظتها.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأكرم نزلك، ورفع درجتك، وجعل علمك الذي بثثته في الناس صدقةً جارية، وألهم أهلك وطلابك ومحبيك والسودانيين جميعاً الصبر وحسن العزاء.
وسيبقى البررفيسورالتجاني عبد القادر حامد في ذاكرة السودان لا بوصفه رجلاً من رجال مرحلةٍ مضت فحسب، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يجعلوا من الفكر ميزاناً للسلطة، ومن النقد طريقاً للإصلاح، ومن السؤال بدايةً للنهضة.
رحل الرجل…
وبقي السؤال؟؟؟
