ألسنة وأقلام* *يوميات عائد إلي الخرطوم* *الحلقة الثالثة – العودة إلى سنار (٣)* *د. بابكر إسماعيل*
*ألسنة وأقلام*
*يوميات عائد إلي الخرطوم*
*الحلقة الثالثة – العودة إلى سنار (٣)*
*د. بابكر إسماعيل*
وحافلتنا تتهادي كعروس على طريق الخرطوم – مدني ويتعالى صوت ماكينتها مزغرداً فرحاً بتحرير أرض السمر الطيبيين ..
وفضيل وفضيلة ومليوة يتسامرون على شاشة البص ورحم الله البلولة ..
الجزيرة المجروحة .. تلقت ضربات المليشيا الموجعة حيث كان قجة وجلحة وشارون يسرحون ويمرحون في تلك الحواضر التي طالما أطعمت السودانيين من جوع وآمنتهم من خوف ..
قدّمت قرية ود النورة لوحدها مائة وستين شهيداً من الآمنين المسالمين قرابين من أجل سودان الكرامة والسؤدد فتك بهم المجرمون بلا رحمة بالمدافع والقنابل والموت الزؤام ..
ثم. مرت الحافلة بالكاملين وهي زاهية مزدانة بأهلها ومحالها مفتوحة والحركة فيها كما كانت من قبل وأزيد مستشفى الكاملين تضج بالمراجعين وحركة الناس دخولاً وخروجاً ..
وقد عادت الكامنون كما هي درة في جيد الجزيرة والتحية للراكز بسيوني .. وفاضت بالخضروات والفواكه رواكيبها وزكائبها ..
ثم سارت الحافلة كالعروس الجذلي تضرب بإطاراتها الطريق الأسفلتي العتيق نحو أبو عشر حيث تزدحم بالناس ومنتجات الخضر والفواكه وأهل أبو عشر في شغل فاكهون ..
ثم مررنا بقرية الصداقة التي أنشئت عقب قيام مصنع نسيج الحصاحيصا في عهد جعفر نميري طيّب الله ثراه .. وهي كما هي هادئة وادعة كأنما لم يقدل فيها الورل قجة ولا الحية الرقطاء المسمومة جلحة أو الذئب الخؤون شارون
يتعانق في الحصاحيصا الطريق الأسفلتي مع النيل الأزرق الذي ينحني بحب ليضم الحصاحيصا ويلثم ثغرها البسّام .. ورأيت إحدى حافلات الركاب المحلية وقد دخل بها أصحابها قريباً من حافة مياه النيل الأزرق ومنسوب المياه فيه لا يبدو كما ينبغي أن يكون عليه الحال في مثل هذا الوقت من العام ويبدو أنّ حكومة إثيوبيا التي يقودها فتى الأرومو الأرعن صارت متحكمة في مناسيب النيل الأزرق عبر سد النهضة وصار أبي أحمد تابعاً للمليشيا ولمشيخة الشر.
انحنت مركبتنا فوق طريق الأسفلت وهي تتجه شرقاً عند مرورها بأربجي وما أدراك ما أربجي بلدة الرجل الصالح ذي الصوت الندي صديق أحمد حمدون .
ومدينة أربجي ترقد على ضفاف النيل الأزرق جنوب شرقي الحصاحيصا، وهي أول مدينة عربية تجارية وإدارية في السودان، أُنشئت في العام 1474 م (880 هـ) قبل مدينة سنار بثلاثين عاماً وتم فيها عقد الاتفاق بين الفونج والعبدلاب لتأسيس دولة سنار في العام 1504 م
وما علم الجنجويد الجهلة أن دولتنا تأسست منذ أكثر من خمسة قرون على أرض السودان بتحالف بين عرب العبدلاب وزرقة الفونج ..
فالجنجويد طارئون على التاريخ ولا يعرفون عن السودان شيئاً قبل العام 1956 فقد كانوا في شتاتهم يعمهون ..
وأربجي هي موطن القاضي دشين الملقب بقاضي العدالة .. واشتُهر عنه فسخه لأنكحة الشيخ تاج الدين البهاري (الشيخ الهميم) الفاسدة كما جاء في طبقات ود ضيف الله.
وما زالت سنار موعدنا .. يا باغونا وإن طال السفر
.
