ديوان الزكاة بولاية الجزيرة: بين نبل الرسالة الاجتماعية وتحديات التجاذبات السياسية =============== ✍️*كتب حسن البصير
ديوان الزكاة بولاية الجزيرة: بين نبل الرسالة الاجتماعية وتحديات التجاذبات السياسية
=============
✍️*كتب حسن البصير

▪️يُشكل ديوان الزكاة في السودان الركيزة الأساسية لشبكة الحماية الاجتماعية إذ توفر موارده الذاتية نحو 80% من إجمالي التدخلات الحكومية الموجهة لدعم الشرائح الفقيرة والهامشية، مما يجعله أداة استراتيجية لتمويل برامج التمكين الاقتصادي والمساعدة الاجتماعية خارج إطار الميزانية العامة للدولة. وتتجلى أهمية هذه المؤسسة في قدرتها على تقديم خدمات متكاملة تشمل كفالة طلاب العلم، ودعم الرعاية الصحية، وتحسين المأوى، وتمويل المشاريع الإنتاجية الصغيرة للتحول من تلقي الدعم إلى الإنتاج المستدام.
وتبرز تجربة ديوان الزكاة بولاية الجزيرة كأنموذجٍ رائد في تقليص معدلات الفقر وتوسيع المظلة الإنتاجية للأسر، نتيجة التوسع في جباية العروض والأنعام والزروع، وإعادة توجيهها بكفاءة عالية نحو مصارفها الشرعية.
▪️ غير أن هذه التجربة المتميزة تصطدم بتحديات هيكلية وتجاذبات سياسية متكررة؛ حيث تُظهر القراءة التاريخية لتطور الديوان محاولات متصلة للتحكم في مقاليد قيادته واستغلال السلطة التقديرية لولي الأمر كغطاء للتمكين السياسي وتجيير الموارد لأجندات الحكّام في المركز و الولاية، مما يهدد بإزاحته عن أهدافه السامية وتحويله إلى مجرد أداة جباية إجبارية تتنصل عبرها الدولة من التزاماتها التنموية.
▪️إن التدخل الحكومي في التعيينات والقرارات التنفيذية لديوان الزكاة بولاية الجزيرة يحمل مخاطر جسيمة على الصعيدين الشرعي والإجرائي. فمن الناحية الشرعية، يمثل الخروج بأموال الزكاة عن مصارفها الثمانية المحددة قرآنياً إخلالاً بالأمانة وتجاوزاً لأحكام الفريضة التي وجبت لخدمة المستحقين لا لتغذية الموالاة السياسية. أما إجرائياً، فإن مساس الاستقلالية المادية والإدارية للديوان يضعف ثقة المكلفين والمجتمع، ويتسبب في اختلال جودة الخدمات الاجتماعية الموجهة للفقراء، وينسخ طابعها المرن والسريع في مواجهة الأزمات.
▪️ولضمان صون هذه الفريضة وتحقيق غاياتها التنموية، يتوجب إبعاد ديوان الزكاة كلياً عن أروقة الصراع السياسي، وإعادة بناء العلاقة بينه وبين مؤسسات الدولة وفق رؤية استراتيجية شاملة. يتطلب ذلك التنسيق والترابط بين الديوان وصناديق الحماية الاجتماعية الأخرى كوزارة الرعاية ومفوضية الأمان الاجتماعي لمنع التكرار وسوء التوزيع، إلى جانب تجويد التخطيط والتنسيق في حشد الموارد بين المركز والولايات. كما يستدعي الأمر ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة لتعزيز الثقة المجتمعية، وتطوير قدرات الكوادر العاملة و تكليف الادارة الأكثر خبرة و كفاءة بعيداً عن الانتماءات الحزبية و القبلية ، ونشر الوعي المعرفي لدى المكلفين والمستفيدين على حدٍ سواء، بما يضمن ربط رسالة الديوان السامية بتأمين الحياة الكريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
