منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر ترجل “الجاموس”.. حارس الإدارة الذي بنى بصمت وغادر شامخاً ..!

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
ترجل “الجاموس”.. حارس الإدارة الذي بنى بصمت وغادر شامخاً ..!

هل سألت نفسك يوماً لماذا تضج حياتنا بأخبار الذين يهدمون، بينما يمر الذين يبنون بصمتٍ يشبه سير النمل على الرمل؟ في واقعنا السوداني، اعتدنا أن نلتفت إلى الصوت العالي، متناسين أن الأشجار العظيمة تنمو في هدوء تام، ولا تصدر صوتاً إلا حين تسقط. نحن نعيش في زمنٍ نكاد ننسى فيه أن هناك من يحرس “حوش” الوطن بدم قلبه، وعصارة عمره، دون أن ينتظر كاميرا تلتقط له صورة، أو تصفيقاً في قاعة.

ما يحدث باختصار، ليس مجرد حديثٍ عابر عن موظف حكومي بلغ سن التقاعد، أو حفل وداع تقليدي. هذا حديث عن الذاكرة المؤسسية التي نخسرها اليوم دون توثيق، وعن أمانة الخدمة المدنية التي نحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى. نحن لا نتحدث عن الماضي، بل عن معيار “ود البلد الأصيل” الذي يجب أن يُقاس عليه مستقبل الإدارة في بلادنا، وهو يغادر موقعه بلا ضجيج، تاركاً خلفه إرثاً يورّث لأجيالنا القادمة.

دعونا نتأمل سيرة الأستاذ عبدالعظيم الحاج عبدالله، أو كما يحلو لأهل القضارف أن يلقبوه بـ “الجاموس”. رحلة بدأت من قرية “غبيشة” في العام 1962، حيث تشرّب طين الأرض وأصالتها، مروراً بمدارس القضارف الأميرية والقديمة، حتى توج شبابه ببكالوريوس الآداب من العريقة جامعة الخرطوم. حين التحق بسلك الضباط الإداريين في الدفعة 90، لم يكن مجرد موظف يعبر الأيام ليقبض راتبه، بل كان وتداً لخيمة الإدارة. تدرج من مساعد ضابط إداري بمديرية كسلا، إلى التجارة والتموين، ثم قاد المحطة الأصعب؛ إدارة البترول في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية.

طيب، قد تسألني بصوت مسموع: هذا التاريخ الوظيفي الطويل، ما معناه للمواطن العادي؟ ماذا يعني أن يدير رجل قطاع البترول في تلك السنوات القاسية؟ الإجابة ببساطة هي “الرزق”. إدارة البترول حينها كانت تعني إدارة عصب الزراعة، تعني الوقوف جنباً إلى جنب مع المزارعين في كل ربوع الولاية لضمان أن الآليات تدور، وأن الأرض تُحرث لتطعم الناس. وحين تنقل هذا الرجل كمدير تنفيذي ورافعة للعمل الإداري بين الفاو، الرهد، القلابات، الفشقة، باسندة، وحتى الدلنج في جنوب كردفان، كان يلامس هموم الناس مباشرة. كان يرى كيف تؤثر قراراته على لقمة عيشهم، على تعليم أبنائهم، وعلى شعورهم بالأمان. كان يمثل وجه الدولة البار حين تغيب، والرحمة حين تقهرهم الظروف.

استمر هذا العطاء المضمخ بعبق الرجولة حتى وصل إلى قمة الهرم، كأمين عام لحكومة ولاية القضارف منذ العام 2024 وحتى نهاية أغسطس 2026. أبٌ لعدد من البنات ولـ”محمد”، يترجل اليوم عن صهوة جواده للتقاعد. يخرج نظيفاً، محترماً، وممنوناً، وكما كتب له صديقه الخلوق المستشار “مهدي الجمل” في رسالة “بوح الروح” التي تقطر وفاءً: “يا جاموس، يستأذنك للكتابة الجمل.. شكراً لك وأنت توقع على دفتر الإنجاز، تغادر المكتب ولكنك تولد من جديد، لا مال يُضلك ولا إخلال يتبعك”. هذه الكلمات ليست مجرد تمجيد وظيفي، بل هي شهادة براءة وإكليل غار من زميل لزميله في زمنٍ شحت فيه النزاهة، ودعوة مستحقة لتكريم يبقى ويدوم تحت ظلال أصالة هذه المدينة وقبائلها.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة في قراءتنا لهذه السيرة العطرة. نحن في الحقيقة لا نكرم شخصاً لأنه أدى واجبه وغادر، بل نكرم في عبدالعظيم الجاموس “فكرة” الدولة التي نتمناها. دولة الخدمة المدنية الراسخة، التي لا تهزها الرياح السياسية، ولا تغريها مناصب الزوال.

بعد اخير :

خلاصة القول، المأساة الحقيقية ليست في أن هؤلاء الرجال الكبار يتقاعدون، فهذه سنة الحياة ودورة الأيام التي لا تستثني أحداً. المأساة هي أننا نكتشف حجم الفراغ المهول الذي يتركونه، فقط بعد أن يغلقوا أبواب مكاتبهم للمرة الأخيرة، تاركين خلفهم كراسي واسعة لا تستطيع أن تملأها السير الذاتية العابرة.

أخيرًا، نحن في هذا الوطن لا تنقصنا الموارد، ولا تنقصنا الشعارات، بل تنقصنا هذه العقول الصامتة التي كانت تدير العجلة في الظلام لكي نرى نحن النور. نحن، للأسف، لا نُهزم في معاركنا الكبرى، نحن فقط نصل متأخرين جداً لنشكر أولئك الذين حملوا الوطن على أكتافهم ومضوا، لا أقول وداعا أيتها القامة المعطاءة بل إلى لقاء فى ميادين ارحب تنتظر بصمتكم الراسخة..

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.