منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر نزرع بـ ‘تقويمٍ ميت’ ونحصد العلف.. إما التكيف المناخي فوراً أو المجاعة .

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
نزرع بـ ‘تقويمٍ ميت’ ونحصد العلف.. إما التكيف المناخي فوراً أو المجاعة ..!

في أريافنا وسهولنا الممتدة، لم يكن الخريف مجرد فصل يتساقط فيه المطر، بل كان دائماً حاسبة زمنية مضبوطة بالنقطة والسطر، يرتب عليها المزارع عمره، ودينه، ومصاريف أطفاله، وحتى زيجات أبنائه. هل سألت نفسك يوماً ماذا يحدث حين تنكسر هذه الساعة التي وثقنا فيها لعقود؟ ما يحدث عندما ينقلب نظام المطر، فنظل نحن ننتظره في المواعيد القديمة، بينما هو يكتب مواعيده الخاصة؟

جوهر القضية باختصار هو أن التغير المناخي لم يعد مجرد تحذير بيئي نطرده من مخيلتنا أو نقرأه في التقارير الدولية، بل تحوّل إلى واقع يعيد رسم الخريطة الزراعية في السودان ويتحكم في لقمة عيشنا. وما حدث في خريف هذا العام، والمستمر حتى أكتوبر الجاري، لا يترك مجالاً للشك: نحن أمام تغيير بنيوي في مواقيت الموسم الزراعي المطري، وتحديداً في مناطق الإنتاج الرئيسية كـ “القضارف”، مما يجعل التدخل العاجل لاستحداث استراتيجية تكيف شاملة مسألة بقاء لا رفاهية.

بالأمس عصراً، جاءني صوت صديقي المزارع المعتق والطبيب الإنسان د. نقدالله عبد الرحمن عبر الهاتف، مشحوناً بنبرة حزن خفية من بين حقوله في قرية “ود ضعيف” بشرق القضارف. لم يكن يحكي عن جفاف كامل، بل عن مطر أتى متأخراً بعد أن أجهضت الدورة الزراعية الأولى، ليجد نفسه أمام قرار مرّ بالبدء في “سكب العيش” ليتحول إلى علف للماشية، ومواجهة الفشل الكامل لمحصول السمسم رغم زخات الأمطار الأخيرة. هذا الاتصال لم يكن مجرد حسرة فردية، بل كان جرس إنذار مجسماً من قلب الحقل، يخبرنا أن مواقيت الأرض تغيرت، وأن أدواتنا ما زالت قديمة.

السبب الظاهر الذي يراه الجميع هو تذبذب الأمطار وتأخر هطولها، والنتيجة المباشرة هي تراجع الإنتاجية وخسارة المزارعين لرؤوس أموالهم. لكن ما لا يُرى بين السطور، هو أن هذه الأزمة المناخية ترتبط بأسلوب إدارتنا للموسم نفسه؛ نحن نمر بأزمة “فجوة زمنية” بين مناخ يتغير وسلوك زراعي يستنسخ الماضي. المزارع يزرع بذرة السمسم بناءً على ذاكرة آبائه في يونيو، بينما المطر أصلح مزاجه ليهطل في أغسطس أو يتمدد إلى أكتوبر. انظر كيف يتحول هذا الخلل في المواقيت إلى خسارة اقتصادية تضرب القوة الشرائية في السوق، وترفع أسعار الأغذية، وتضغط على العملة الوطنية، ليجد المواطن العادي أثر هذه الفجوة في صحن فوله اليومي.

إن التعامل مع التغير المناخي بمنطق انتظار الفرج هو كمن يواصل إصلاح سيارته كل يوم دون أن يسأل نفسه لماذا أصبحت الطرق كلها حُفراً. الاستراتيجية التي نحتاجها اليوم يجب أن تتأسس على التكيف الميداني السريع، بدءاً من استنباط بذور قصيرة الدورة تتلاءم مع خريف قصير ومكثف، وتعديل الخريطة الزراعية وزمن الاستزراع بناءً على التنبؤات الجوية المبكرة، مروراً بتقنيات حصاد المياه لحفظ الأمطار المتأخرة، وانتهاءً بإنشاء صندوق للتأمين الزراعي المناخي. ولنا في تجارب دول شقيقة وشبيهة، كإثيوبيا وبعض دول حزام الساحل والهند، درس ملهم؛ حيث انتقلت هذه الدول من التعاطي الانفعالي مع الجفاف إلى إدارة التكيف عبر تقنيات الزراعة الذكية مناخياً، مما أنقذ مواسمها من الانهيار.

وهنا تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة: إن المقترح الذي نادى به د. نقدالله بضرورة تقديم مبادرة متكاملة للتكيف المناخي عبر “مركز رؤى للتدريب والدراسات” لتبنيها من قبل وزارة الزراعة والإنتاج، ليس مجرد مقترح إداري، بل هو الشراع الذي يجب أن نرفعه الآن فوراً حتى لا نفقد الموسم القادم ونحن نندب حظنا على الموسم الحالي.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن الأرض لا تخون من يزرعها، لكنها ترفض أن تُدار بذاكرة تقويم قديم لم يعد يعترف به الطقس. والحل لا يبدأ من انتظار السماء لتمطر في مواعيدنا القديمة، بل من إعادة تشكيل عقولنا وسياساتنا الزراعية لتواكب الموعد الجديد، لأن الفرق بين المجاعة والوفرة ليس إلا أسبوعين من التخطيط السليم والوعي الشجاع.

أخيرًا، حين يضطر المزارع لأن يسكب محصوله علفاً للأنعام، فالمرارة ليست في خسارة الزرع، بل في خسارة الوقت الذي أضعناه ونحن ننتظر السحاب. نحن لا نخسر مواسمنا لأن المطر قلّ، بل لأننا نصرّ على الزرع بذاكرة الأمس في أرضِ الغد.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.