منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عيدٌ بأي حالٍ عُدتَ يا عيد؟ منال الأمين الفادني تكتب عن المعلم السوداني وكفاحه

0

عيدٌ بأي حالٍ عُدتَ يا عيد؟
منال الأمين الفادني تكتب عن المعلم السوداني وكفاحه
يأتي 5 أكتوبر.. عيد المعلم، فيطل علينا هذا العام والسودان ما زال يحمل على كتفيه أثقال الحرب، وآثار النزوح والدمار، ووجع الفقد، وغلاء المعيشة… فيأتي السؤال موجعًا:
عيدٌ بأي حالٍ عُدتَ يا عيد؟
أي عيد هذا الذي نحتفي فيه بالمعلم، بينما المعلم نفسه لا يزال يكافح من أجل أبسط مقومات الحياة؟
أي عيد، والمعلم الذي أفنى عمره في بناء الإنسان، ما زال راتبه لا يوازي حجم الرسالة التي يحملها، ولا يتناسب مع غلاء المعيشة وتكاليف المأكل والمشرب والمسكن والعلاج والتعليم؟
ومع ذلك… ما زال المعلم واقفًا.
وقف المعلم السوداني في وجه الحرب، وحمل رسالته حيثما كان. نزح مع النازحين، وشارك في فتح المدارس، وأعاد الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وحاول أن يصنع من بين ركام الحرب نافذةً للأمل.
لم تكن الحرب بالنسبة إليه مجرد أصوات مدافع ونيران؛ بل كانت امتحانًا قاسيًا لرسالته الإنسانية والوطنية.
ومع ذلك لم يقل: لا أستطيع.
بل قال: هنا واجبي.
فالمعلم السوداني لم يكن يومًا موظفًا يؤدي ساعات عمل وينصرف، وإنما كان صاحب رسالة، ومربي أجيال، وصانع مستقبل.
كم من طبيب اليوم وقف في غرفة العمليات، وكان بالأمس تلميذًا أمام معلمه؟
وكم من مهندس يشيد الطرق والمباني والجسور، تعلم أولى خطوات العلم على يد معلم؟
وكم من قاضٍ يحمل ميزان العدالة، كان يومًا يجلس في فصل دراسي يتلقى أول درس في القيم والانضباط؟
وكم من ضابط وجندي يقف اليوم مدافعًا عن تراب الوطن، كان معلمه أول من علّمه معنى المسؤولية والوطن؟
إن كل مهنة عظيمة وراءها معلم.
وكل جيل نهض في هذا الوطن، كان للمعلم فيه سهم.
لقد شارك المعلم السوداني في بناء السودان بصمت؛ لم يبحث عن الأضواء، ولم ينتظر التصفيق، وإنما ظل يؤدي رسالته في المدارس والقرى والأحياء، في المدن والأرياف، وفي أحلك الظروف وأقساها.
ولذلك فإن تكريم المعلم لا ينبغي أن يكون في يوم واحد من العام، ولا أن يقتصر على كلمات الاحتفاء والتهاني.
المعلم يحتاج إلى حياة كريمة.
يحتاج إلى راتب يحفظ له كرامته، ويكفيه ضروريات الحياة من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج، ويجعله قادرًا على أن يعيش مستقرًا، حتى يتفرغ لرسالته، ويضع كل طاقته في العملية التعليمية.
فكيف نطلب من المعلم أن يصنع الإبداع، وهو يفكر في إيجار المنزل؟
وكيف نطالبه بأن يربي أجيالًا متفوقة، وهو مشغول بتدبير قوت أسرته؟
وكيف نطالبه بالتجديد والتطوير، وهو مثقل بهموم الحياة؟
المعلم إنسان قبل أن يكون معلّمًا، وله أسرة وأبناء واحتياجات وحقوق.
والعناية بالمعلم ليست منّةً عليه، وإنما هي استثمار في مستقبل السودان.
فإذا أردنا أن نعيد بناء ما دمرته الحرب، فعلينا أن نبدأ بالإنسان.
وإذا أردنا أن نبني سودانًا قويًا، فعلينا أن نبني مدرسة قوية.
وإذا أردنا مدرسة قوية، فعلينا أن نرفع قدر المعلم، ونحفظ كرامته، ونوفر له التدريب والتأهيل والبيئة المناسبة، ونمنحه أجرًا يتناسب مع رسالته ومسؤولياته.
إن الدولة التي تريد نهضة حقيقية، لا يمكن أن تضع التعليم في آخر سلم الأولويات.
فالطريق إلى نهضة السودان يبدأ من الفصل الدراسي.
والمعلم هو أول من يضع قدم الطفل على هذا الطريق.
وفي عيد المعلم، لا نريد أن نقول للمعلم فقط: كل عام وأنت بخير.
بل نريد أن نقول:
كل عام وأنت كريم النفس، عزيز المقام، محفوظ الحقوق.
نريد أن يشعر المعلم بأن الدولة والمجتمع يقدران ما يقدمه.
نريد أن تعود للمعلم هيبته ومكانته الاجتماعية.
نريد أن يكون المعلم قادرًا على أن يعيش من راتبه دون أن يضطر إلى البحث عن مصادر أخرى تستهلك وقته وطاقته.
ونريد أن تكون المدرسة بيئة جاذبة للمعلم والطالب معًا.
فيا حكومة السودان…
ارفقوا بالمعلم.
انظروا إلى أحواله بعين المسؤولية، لا بعين الأرقام والميزانيات وحدها.
ضعوا تحسين أوضاع المعلمين ضمن أولويات إعادة بناء الدولة بعد الحرب.
فالمعلم الذي صبر على الحرب، وصبر على النزوح، وصبر على ضعف الإمكانات، يستحق أن يجد بعد الحرب دولةً ترد له الجميل.
ويستحق أن يجد وطنًا يقول له:
لقد رأينا تعبك… ولم ننسَ فضلك.
وفي هذا اليوم، نرفع القبعة لكل معلم سوداني ما زال يحمل الطباشير في يد، والأمل في اليد الأخرى.
لكل معلم علّم في مدرسة متواضعة، ولكل معلمة حملت رسالتها رغم أثقال الحياة، ولكل تربوي ظل واقفًا في الميدان حين كان الانسحاب أسهل.
سلامٌ على المعلم السوداني… صانع الأجيال، وحارس المعرفة، وباني الإنسان.
وكل عام وأنتم بخير، يا من علمتمونا أن الأوطان لا تبنى بالحديد والإسمنت وحدهما، وإنما تبنى أولًا بالعلم والإنسان.
الخبير التربوي
منال الأمين الفادني
إ

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.