منال الأمين الفاداني تكتب الميليشيا لا تعرف إلا الخراب… فمن ينقذ المواطن السوداني؟
منال الأمين الفاداني تكتب
الميليشيا لا تعرف إلا الخراب… فمن ينقذ المواطن السوداني؟
أيُّ جُرمٍ أكبر من أن يُسرق الوطن في وضح النهار، ويُشرَّد أهله، وتُنهب ممتلكاتهم، ثم يُلاحقون بالتخريب حتى بعد عودتهم إلى ديارهم؟!
إنها مأساة المواطن السوداني الذي لم يذق طعم الراحة منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة؛ حربٌ أرهقت البلاد والعباد، واستنزفت موارد الدولة، ومزقت شمل الأسر، ودفعت الملايين إلى النزوح والتشرد، وحرمت الأطفال من طفولتهم، والشباب من أحلامهم، والشيوخ من سكينة ما تبقى من أعمارهم.
منال الأمين تكتب اليوم بلسان كل مواطن أنهكته الحرب، وبصوت كل أسرة ظنت أن العودة إلى المنزل تعني نهاية المعاناة، فإذا بها تواجه فصلًا جديدًا من فصول الألم!
ميليشيا الخراب… سرقةٌ ونهبٌ وتدمير!
منذ اندلاع الحرب، عاش المواطن السوداني مآسي لا تُحصى؛ فمنهم من فقد عزيزًا، ومنهم من فقد منزله، ومنهم من نُهبت أمواله وممتلكاته التي جمعها عبر سنوات طويلة من الكد والتعب، ومنهم من خرج من بيته لا يحمل إلا ما استطاع إنقاذه، تاركًا وراءه ذكريات العمر وحصاد السنين.
لقد عانى النازحون مرارة البعد عن الديار، وقسوة المعيشة، وغلاء الأسعار، وضيق ذات اليد، وتجرعوا مرارات الغربة داخل وطنهم، وهم يحلمون بيوم العودة إلى منازلهم، ليستعيدوا شيئًا من حياتهم التي مزقتها الحرب.
وبعد سنوات من النزوح والتعب والانتظار، عاد بعضهم إلى دياره، يحملون ما تبقى من الأمل، ويمنون النفس بأن يجدوا سقفًا يستظلّون به، وحيطانًا تجمع شمل أسرهم، وشيئًا من الأمان الذي افتقدوه طويلًا.
ولكن، ويا للأسف!
لم يجد كثيرون ما كانوا يرجونه؛ وجدوا المنازل المتضررة، والممتلكات المنهوبة، والخدمات المعطلة، ووجدوا أنفسهم أمام معركة جديدة عنوانها إعادة بناء ما دمرته الحرب، وترميم ما أفسده الخراب، والبدء من الصفر رغم انعدام الإمكانات.
فأيُّ ذنبٍ اقترفه المواطن حتى يُعاقَب في أمنه وماله وبيته، ثم يُحرم من أبسط مقومات الحياة في وطنه؟!
تخريب الكهرباء… جريمة في حق الحياة!
وفي تطور بالغ الخطورة، وردت أنباء عن استهداف وتخريب منشآت ومحطات كهربائية في مناطق شملت سنجة وسنار والجنيد والحواتة والفاو والمرخيات والنيل الأبيض، وهو ما يستدعي التحقق من تفاصيل هذه الأنباء، ومحاسبة المسؤولين عن أي اعتداء يثبت وقوعه.
إن استهداف الكهرباء ليس عملًا عابرًا، ولا ضررًا محدودًا يمكن تجاوزه بسهولة؛ إنه اعتداء على شريان من أهم شرايين الحياة، وضربٌ مباشر لاستقرار المواطن ومعيشته، وتهديدٌ لخدمات لا غنى عنها لاستمرار الحياة اليومية.
فالكهرباء ليست مجرد مصابيح تضيء المنازل؛ إنها المياه التي تصل إلى البيوت، والمستشفيات التي تستقبل المرضى، والمصانع التي تنتج، والمخابز التي توفر الخبز، والمرافق التي تقدم الخدمات، والأعمال التي يعتمد عليها الناس في كسب أرزاقهم.
حين تتوقف الكهرباء، تتعطل مضخات المياه، وتواجه المستشفيات تحديات جسيمة، وتتضرر المصانع وأصحاب الأعمال، وتتضاعف معاناة الأسر التي أنهكتها الحرب أصلًا.
فكيف لمن يدّعي الدفاع عن حقوق المواطنين أن يقبل بتدمير المنشآت التي تقوم عليها حياتهم؟ وكيف يمكن تبرير التخريب الذي يدفع ثمنه المريض والعامل والطالب والأم والطفل؟
إن تدمير البنية التحتية لا يهزم خصمًا فحسب، بل يضاعف معاناة شعب بأكمله، ويضع العراقيل أمام إعادة الإعمار، ويؤخر عودة الحياة إلى طبيعتها.
ومن هنا، فإن أي اعتداء متعمد على المنشآت المدنية والخدمية يجب أن يُدان بوضوح، وأن يخضع للتحقيق والمساءلة، بعيدًا عن التبريرات السياسية والشعارات التي لا تُعيد للمواطن حقه ولا تُصلح ما أفسده التخريب.
القوات المسلحة… معركة حماية الوطن واستعادة الحياة
وفي خضم هذه المحنة الوطنية، تظل القوات المسلحة السودانية، بما تضطلع به من مهام الدفاع عن البلاد، في قلب معركة استعادة الأمن وحماية مؤسسات الدولة وصون وحدة السودان.
وإن أعظم ما يُرجى من هذه المعركة ليس مجرد استعادة الأرض، وإنما استعادة الحياة نفسها؛ أن يعود المواطن إلى بيته آمنًا، وأن يجد الماء والكهرباء، وأن تُفتح المدارس أبوابها، وأن تعمل المستشفيات والمصانع، وأن يسترد الناس حقهم في العيش الكريم.
إن حماية المواطن ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُترجم إلى أمنٍ على الأرض، وخدماتٍ مستقرة، وحمايةٍ للمدنيين وممتلكاتهم، وجهدٍ حقيقي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
والقوات المسلحة، وهي تخوض معركة الدفاع عن الدولة، فإن الواجب الوطني يقتضي أن تتكامل جهودها مع مؤسسات الدولة والمجتمع لحماية المدنيين، وتأمين المرافق الحيوية، وتسهيل عودة النازحين، وإعادة الخدمات إلى المناطق المتضررة.
فالانتصار الحقيقي هو أن يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أفضل، وأن يجد وطنه قادرًا على احتضانه بعد سنوات الخوف والتشرد، وأن يرى ثمرة التضحيات في الأمن والاستقرار وإعادة البناء.
نريد انتصارًا يعيد للمواطن كرامته، ويحمي بيته، ويصون ممتلكاته، ويمنحه الأمل في غدٍ أفضل؛ فالمواطن السوداني يستحق أن يعيش، لا أن يظل أسيرًا للخوف والحرمان.
كفى عبثًا بمقدرات الشعب!
يا من جعلتم من السلاح وسيلة لفرض الإرادة، ويا من اتخذتم من الشعارات ستارًا للصراع، اتقوا الله في هذا الشعب الذي لم يعد يحتمل مزيدًا من المصائب!
كفى نهبًا وترويعًا وتخريبًا. كفى تشريدًا للأسر، وتدميرًا للمؤسسات، واستنزافًا لمقدرات الوطن.
إن السودان ليس ملكًا لفئة، ولا غنيمةً لمجموعة، ولا ساحةً لتصفية الحسابات. السودان وطن ملايين البشر، الذين يريدون الأمن والتعليم والعلاج والماء والكهرباء، ويريدون أن يعملوا ويزرعوا وينتجوا، وأن يربوا أبناءهم في بيئة تحفظ كرامتهم وتصون مستقبلهم.
لقد تعب المواطن من الوعود، وسئم التبريرات، وضاقت به سبل العيش. لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن الحرب مرةً بفقد الأحباب، ومرةً بنهب الأموال، ومرةً بالنزوح، ومرةً بتدمير منزله، ثم مرةً أخرى بحرمانه من الكهرباء والماء والخدمات الأساسية.
والمؤلم أن المواطن الذي عاد بعد سنوات من النزوح، عائدًا بأحلام بسيطة لا تتجاوز سقفًا يأويه، وماءً يروي ظمأه، وكهرباءً تنير ليله، يجد نفسه مهددًا بفقدان هذه الضروريات من جديد.
أيُّ قسوةٍ هذه؟ وأيُّ عبثٍ بمستقبل شعبٍ لا يريد سوى أن يعيش بسلام؟
السودان سيعود… رغم أنف الخراب
إن السودان الذي أنجب الأبطال والعلماء والمبدعين، والذي صبر أهله على الشدائد عبر التاريخ، لن تكون نهايته على يد التخريب، ولن تضيع آمال شعبه ما دام هناك من يعمل من أجل حمايته وإعماره واستعادة عافيته.
ستظل إرادة الحياة أقوى من الدمار، وسيظل الأمل قائمًا في أن تعود الكهرباء إلى محطاتها، والمياه إلى مجاريها، والطلاب إلى مدارسهم، والمرضى إلى مستشفيات تقدم لهم العلاج، والعمال إلى مصانعهم، والمزارعون إلى حقولهم، والنازحون إلى ديارهم آمنين مطمئنين.
لكن إعادة البناء تحتاج إلى إرادة صادقة، ومحاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه في الاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم والمنشآت الخدمية، وجهود وطنية مخلصة تضع احتياجات المواطن فوق كل اعتبار.
إننا لا نريد وطنًا تُستباح فيه الممتلكات، ولا دولةً تتعطل فيها الخدمات، ولا شعبًا يُترك وحيدًا في مواجهة آثار الحرب. نريد وطنًا يسوده القانون، وتحفظ فيه الحقوق، ويكون فيه الإنسان السوداني غاية التنمية وهدف الاستقرار.
يا أبناء السودان، احفظوا وطنكم، وصونوا مقدراته، وارفضوا كل يدٍ تمتد بالتخريب إلى منشآته ومؤسساته. فالأوطان لا تُبنى بالهدم، ولا تنهض الشعوب بتدمير مصادر حياتها.
اللهم احفظ السودان وأهله، واحمِ أبناءه من الفتن والحروب، وارحم الشهداء، واشفِ الجرحى، واجبر قلوب الثكالى، وردّ النازحين إلى ديارهم آمنين، وأعد إلى بلادنا الأمن والاستقرار، واحفظ بنيتها التحتية ومقدرات شعبها، واجعل فجر السلام قريبًا.
لله درُّك يا وطن!
