منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

ألسنة وأقلام* *المشروع الوطني العظيم (٢)* *بابكر إسماعيل*

0

*ألسنة وأقلام*
*المشروع الوطني العظيم (٢)*
*بابكر إسماعيل*

تطرقت في المقال السابق لبعض الهوادي العاجلة لإصلاح حال بلدنا نحو الأفضل والأقوم وهي هوادٍ طارئة لا تحتمل التأخير والتسويف..

وإذا نظرنا نظرة متأنية لنعرف لماذا تدحرجنا لما نحن فيه مقارنة بدول كانت ترزح تحت الجهل والأمية والفقر والتخلف والآن لها شأن عظيم بل ويفتوننا في كيفية إدارة شأننا وصايةً علينا ..
وصرنا نستجدي العون والسند منهم.

فسنجد أنه قامت في السودان حكومة مركزية منذ بداية القرن الماضي (1902) وكانت مهمتها إدارة البلاد والاقتصاد لمصلحة دولتي الحكم الثنائي ..

وأسسوا كلية غردون في العام 1902 لترفدهم بكتبة وصغار الموظفين المحليين. ثم جعلوا الخرطوم مدينة نموذجية جاذبة وبها قصر الحاكم العام ومندوبو الشركات العالمية والجاليات الأجنبية .. فكانت مدينة نظيفة رشيقة أنشأوا بها مستشفى الخرطوم في العام 1902 والنوادي الترفيهية والفرق الرياضية وشجعوا الغناء والمجون والخمور .. ونشروا الثقافة الغربية وأزياءها ..

وبدأ العمل في مشروع الجزيرة في العام 1914 لزراعة القطن الذي كان رائجاً حينها .. بدعم من تجار القطن بمانشستر بإنجلترا وبنوا سد سنار لري المشروع وأسسوا سكة حديدية داخل المشروع لنقل القطن من المزارع للمحالج وأخرى تصل بين الخرطوم وميناء التصدير.
ربطوا كل قرى المشروع بنظام البريد والهواتف السلكية .. وأنشأوا بها مدارس أولية وشفخانات.

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية أنشأوا الإذاعة السودانية في العام ١٩٤٠ لتنوير الشعب وكسبه لصف الحلفاء .. قالوا ليه القطر تقدم وكفرة نيرانا زي جهنم ..
التي تحرق الجنب الشمال
وجعلوا باقي السودان محزوناً بكراً للمواد الخام الزراعية والحيوانية ولاحقاً المعدنية .. ويعاني أهله الجهلل والمرض والمسبغة .. لا فرق بين كبكابية في الغرب والمكنية في الشمال أو عد ودرديب في الشرق أو أم كريدم في كردفان وكل ما فعلوه أن أنشأوا نظاماً تعليمياً وصحياً محدوداً في عواصم المديريات ..
عندما استلمت نخبتنا الحكم ظنت أن ذاك هو النموذج المبتغى وغاية المنى ولم يزيدوا عليه نقيراً أو قطميراً .. واستمروا على ذات المنوال غايتهم كراسي الحكم وخلافة المستعمر في أهلهم وثروات بلادهم .. وصار المغنم الذي تتشاكس حوله النخب هو كراسي الحكم ومناصب الإدارة العليا وميزاتها الوظيفية التي فصّلها الاستعمار لمنسوبيه (بيت وسيارة وراتب جزيل ومعاش يجري إلى الممات) ..
واستمرّ مندوبو الشركات العالمية في نهب الثروات وكذلك يفعلون ..

بعد ١٤ عاماً من الاستقلال قامت نخبة من ضباط الجيش يسندها الحزب الشيوعي بإنقلاب مايو في العام ١٩٦٩ لكسر طوق الاقتصاد وربطه بالمعسكر الشرقي .. ثم خضعوا لاحقاً للإمبريالية العالمية .. ثم أعقبتهم دورة مدنية تدور في نفس فلك مغانم الدولة والصراع حولها ..
ثمّ جاءت الإنقاذ في ١٩٨٩ مدعومة بالجبهة الإسلامية والإخوان المسلمين وحاولت تثوير الخدمة المدنية وتعديل القوانين والدستور والسلوك العام والقضاء على التمرد الجنوبي الموروث والمدعوم من المستعمر .. ثم خارت قواها وخضعت للقوى الشريرة أو هادنتها.

ثم جاءت ديسمبر وعصابة الدعم السريع فقضت على ما تبقى من مظاهر الدولة وقررت بيع السودان في سوق النخاسة الإمبريالية لولا أن تصدت لهم بقية من رجال ادخرهم السودان للملمات فلملموا شعثه وداووا جراحه وما يزالون.
ولكن كيف المخرج من قاع المظلمة هذه إلى رحاب التطور والنماء والحداثة..؟

وجدت أن القاسم المشترك في فشل كل نخبنا وحكوماتنا أنّ معظم الحكومات التي حكمت بلادنا ليس لها خطة تهديها سواء السبيل .. حالهم كحال من أم القوم في صلاة وهو لا يحسن قراءة القرآن وطلب ممن هو دونه القراءة ..
فعندما تفوز حكومة في الانتخاب أو الانقلاب يجلسون لتكوين اللجنة الاقتصادية التي تدير الاقتصاد وتضع خطة الصحة والتعليم وإدارة شئون الناس .. والانقلابيون في كلّ ذلك أحسن حالاً من غيرهم لأن وراءهم في غالب الحال مؤدلجون يعرفون ما يريدون .. وينتهي أمر حكوماتنا في كلّ الأحوال بتحالف الحاكمين والمترفين الفاسدين.. على نهب مواردنا بحماية دولية من الغرب أو الشرق ثم تستمر الساقية في الدوران ..

فما هو السبيل لكسر هذه الدورة الخبيثة ..؟!

أقترح أن يتداعى أبناء السودان وعلماؤه في مؤتمر تدعو له حكومة الانتقال والغرض منه وضع خطة استراتيجية لعشرين عاماً في الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والأمن والدفاع والقانون ونظم إدارة الدولة ورقمنة الدولة وتحديث نظمها، والإعمار والتعايش السلمي وتوزيع الثروة والسلطة وتنمية الريف والمجتمعات المحلية والثقافة والفنون والتكنلوجيا
فيجتمع العلماء والخبراء والمختصون ومدراء الجامعات والبنوك ووكلاء الوزارات والمدراء العامون ورجال الأعمال وضباط الجيش وقيادات العمال والمزارعين ومندوبو الأحزاب وقادة المجتمعات المحلية والعشائر وأئمة الطوائف والنِحل الدينية من كلّ أهل السودان كلٌ في مجاله وتخصصه وينقسمون إلى قطاعات ينتخب أهلها من يديرها ويتداولون عبر القاعات والأسافير ومن كلّ أركان الارض وتدير الحكومة الحالية النقاش وترفده بالإحصائيات وما تم إنجازه .. ويمكن لكلّ ولاية مع أبنائها في الاغتراب والمهاجر ان تقيم مؤتمرها لوضع استراتيجيتها العشرينية وتختار مندوبيها للمشاركة في مؤتمر السودان لوضع الخطة العشرينية الشاملة ..
ومن ثمّ تعتمد الدولة هذه الخطة وتكون ملزمة لا يحيد عنها حاكم سواء أجاء بالانتخاب أم بالغلبة والانقلاب .. ويتواثق عليه أهل السودان ويحمونه من تغوّل المتغوّلين وتآمر اللئام المتآمرين مع أعداء الأمة.
هذا .. وإما علو شأننا بين الأمم .. ولو بعد حين
أو ذهاب ريحنا ودوسنا بالأقدام.

https://www.facebook.com/share/p/18fAqmqpuH/?mibextid=wwXIfr

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.