*حين يصبح الرحيل آخر ما ننقذ به أنفسنا* *✍️د. الشاذلي عبداللطيف*
حين يصبح الرحيل آخر ما ننقذ به أنفسنا
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

أكثر ما يوجع في الخذلان أنك تضطر، بعده، إلى مواساة نفسك من الشخص الذي كنت تلجأ إليه كلما أوجعتك الحياة. تجلس وحدك، تجمع الكلمات التي كنت تنوي أن تقولها له، ثم تتذكر أنه سبب هذا الحزن كله، فتردها إلى صدرك. وتلك، لعمري، غربة لا تحتاج إلى سفر؛ أن يضيق بك قلب كنت تظن أن لك فيه متسعا، وأن تتردد أمام باب دخلته يوما مطمئنا، كأنك من أهل البيت.
«هل ارتحت بعد حطامي؟» سؤال قصير، لكنه يحمل تعب إنسان أمضى وقتا طويلا يحاول أن يفهم: كيف هان كل ذلك؟ كيف استطاع من عرف مواضع الوجع أن يضغط عليها؟ وكيف مضى إلى يومه عاديا، وترك خلفه شخصا يعيد قراءة حديث قديم، يبحث بين سطوره عن اللحظة التي تغير فيها كل شيء؟
أعرف ذلك التعب الذي يجعل المرء قليل الكلام. تكون في داخله حكاية طويلة، لكنه حين يسأله أحد عن حاله يجيب: بخير. يقولها لأنه سئم الشرح، ولأنه يخشى أن يبدو ضعيفا، ولأن بعض الأوجاع تفقد شيئا من حرمتها حين توضع أمام من يستمع إليها بعجلة. يعود إلى غرفته، يخلع وجهه المتماسك، ويترك لعينيه أن تقولا ما عجز عنه طوال النهار.
وكم يؤلم أن يلومك من جرحك على تغيرك. يستغرب صمتك، ويعاتبك على ابتعادك، ويتحدث بحنين عن طيبتك القديمة، كأنها ضاعت منك سهوا. لا يسأل كم مرة ابتلعت إساءة لتحفظ الود، وكم ليلة سهرت تصنع له عذرا، وكم مرة عدت إليه وفي قلبك رجاء صغير أن يشعر، هذه المرة، بما فعل. حتى إذا نفدت قدرتك على الاحتمال، حسب تعبك قسوة، وحسب انسحابك جحودا.
وللرحيل وجع يعرفه من غادر وهو ما يزال يحب. يكتب رسالة، ثم يمحوها. يسمع خبرا، فيهم أن يشاركه، ثم يتوقف. يمر بمكان مألوف، فتسبقه إليه أيامه القديمة. يعرف أسباب ابتعاده كلها، ومع ذلك يحن. ويكاد يخجل من هذا الحنين، كأنه خيانة لكرامته، مع أن القلب يحتاج وقتا أطول ليتقبل ما أدركه العقل.
في تلك المسافة القاسية، بين قرار الرحيل والقدرة عليه، ينبغي أن نرفق بأنفسنا. لقد بذلنا ما استطعنا، وأخطأنا حين ظننا أن مزيدا من الاحتمال سيوقظ الرحمة في قلب اعتاد أن نغفر. وليس علينا أن نواصل النزف كي نثبت صدق محبتنا. تكفي السنوات التي منحناها، والمحاولات التي لم يعلم بها أحد، والدموع التي جفت قبل أن يراها أصحابها.
سأحزن على ما كان، وعلى ما تمنيت أن يكون. وربما أبكي حين تفاجئني ذكرى صغيرة، أو حين أجد بين أشيائي ما يعيد إلي صوتا افتقدته. لكنني أرجو أن يأتي صباح أفتح فيه نافذتي دون هذا الثقل، وأشرب قهوتي دون أن أقلب هاتفي منتظرا كلمة لن تصل.
وحتى يأتي ذلك الصباح، سأمضي برفق. أحمل قلبي المتعب كما يحمل الإنسان طفله المريض، وأبحث له عن سكينة، وعن صحبة رحيمة، وعن أيام لا يضطر فيها إلى الاعتذار عن وجعه.
أما الذين غادرناهم، فليتهم يعرفون أننا كنا نود البقاء. كنا نحتاج قدرا قليلا من الحنان، وكلمة صادقة، وشعورا بأن تعبنا مرئي. كنا ننتظر أن يقول أحدهم: لقد آذيتك، وأنا آسف.
لكن الانتظار طال… والعمر الذي بقي لنا يستحق أن نعيشه بسلام.
