منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

محمد التجاني عمر قش يكتب..  *رحيل أمغيس ثلمة في شعر الجراري!*

0

محمد التجاني عمر قش يكتب..

*رحيل أمغيس ثلمة في شعر الجراري!*

في غرب إفريقيا يقولون إن رحيل أحد الرواة المتجولين “griots” يعني موت مكتبة كاملة ذلك لأن هؤلاء الناس يمثلون ذاكرة الشعوب بما يحفظون من مآثر وأشعار وأحداث، وتراث ومفردات وفولكلور. وفي المقابل فإن رحيل شاعرة في دار الريح يحدث ثلمة يصعب سدها خاصة إذا كانت تلك الراحلة هي خادم الله بت أحمد ود إبراهيم “أمغيس” وهي من عرب دار حامد لأب فرحاني وأم هبانية. وقد تزوجت تلك المرأة المبدعة من حمد ود سلامة ود حامد ود جقدول “مغيبين”، وهو رجل من أرومة ضاربة جذورها في العراقة والكرم، فهو من فخذ الكوارير من فرع الفرحانة، علاوة على كونه “دليل أم زور” أي الإبل ولذلك نستطيع القول: “قد وافق شن طبقة” لأن أمغيس نفسها كانت من الشاعرات البدويات حيث كانت ترحل مع زوجها حيثما توجه مع إبله، بيد أنها قد استقرت في قرية الكوكيتي، بعد وفاة زوجها، واتخذتها مستقراً لها حتى غادرت الدنيا الفانية بعد حياة عامرة بالشعر الراقي والأداء المتميز للحن الجراري، ذلكم الضرب من الغناء الذي تمارسه قبائل “الأبالة” في كردفان ودارفور.

يتميز شعر أمغيس، رحمها الله وغفر لها، بالجزالة، أي فصاحة النص ومتانة صياغته، فهي تنتقي الصور البدوية الخالصة وتختار مفرداتها بعناية في فائقة وتضعها في قالب يتوافق تماما مع فن الجراري حتى أن أشعارها قد سارت بها الركبان والحقب مثلما نجد في قولها:

الدو الطار جباله

تحته أم زور عياله

مين بضرب غزاله

بلا مغبون وأمثاله

ولابد من وقفة مع مفردات هذه المربوعة وأولها كلمة الدو، وهي تعني المكان البعيد القفر، وهي هنا تكني عن رحيل زوجها مع إبله “أم زور” إلى القفار والبوادي التي لا يصلها كثير من الناس، ولكن ترعى فيها إبل زوجها وتكثر فيها الغزلان التي لا يستطيع صيدها إلا زوجها “مغبون” ومن هم على شاكلته من صناديد الرجال.

ومن الصور البدوية ما نجده في قولها وهي تصف مجموعة من رعاة البقر، ولعلها قد قالت هذه المربوعة بعد استقرارها في الكوكيتي التي كانت عامرة بالأبقار لكونها مورداً كبير للمياه في دار الريح:

ناساً حلو كلامهم

صباح اليوم كيف حالهم

شالوا وفجّوا جبالهم

ربين ضِير عجالهم

فلاحظ يا رعاك الله الرقة والروعة وهي تصف ربعها بقولها: “ناساً حلو كلامهم” وتتساءل عن حالهم لتعبر عن شوقها وفقدها لهم بقولها: “صباح اليوم كيف حالهم” لأنهم قد رحلوا بعيداً فقد “شالوا وفجوا جبالهم” فكل هذه صور إبداعية غاية في الجمال مع الالتزام بوصف طبيعة البادية كما في قولها “ربينا ضير عجالهم”.

لقد عاشت شاعرتنا المبدعة خادم الله بت أحمد حياة البادية وتفاعلت مع كافة مظاهرها التي منها الفروسية وضرورة الاستعداد بكل ما تحتاجه تلك الحياة من قوة وسلاح كما يتضح من وصيتها للشباب في قولها:

منوصيكم يا عويلا

من تاني السيف ما شيلا

الكلام حنجور بت بيلا

بضرب سربة وقيلا

فهي هنا تواكب تطور التسلح إذ لم يعد حمل السيف مجدياً لحماية النفس ومقارعة الخطوب وصد الأعداء، بل ينبغي على الشباب اغتناء “حنجور بت بيلا” وهي تعني بذلك السلاح الناري مثل البندقية أم عشرة والجمالي والجيم لأنها تستطيع أن تصيب من مسافة “سربة وقيلا” وتلك لعمري مسافة بعيدة!

رحم الله أمغيس فهي القائلة أيضاً:

بعد النومة الحلوة

نسمع نابح الجروة

سرجك عاصر الكلوة

وسيف قاد الدروة

وجميع مفردات هذه المربوعة ذات صلة وثيقة بحياة البادية التي عاشتها شاعرتنا أمغيس وتفاعلت معها بكل أحاسيسها وشاعريتها فأخرجت للناس شيئاً من أروع ما قيل من فن الجراري، نسأل الله لها الرحمة والمغفرة والعتق من النار وأن يسكنها فسيح جناته، فقد ترك رحيلها ثلمة يصعب سدها في هذا الضرب من الشعر، واطربت الناس بكل ما هو جميل وراقي.

 

4/3/2025

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.