منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد الاخر د. مصعب بريــر البعوض لا يقرأ البيانات الصحفية ..!

0

البعد الاخر

د. مصعب بريــر

البعوض لا يقرأ البيانات الصحفية ..!

 

في ليالي السودان الصيفية، أو عقب انحسار مياه الخريف، لا يمثل طنين البعوض المزعج مجرد تفصيل عابر، بل هو إعلان حرب قديمة ومستمرة. في تلك اللحظة التي يتردد فيها هذا الصوت الخافت في غرفة مظلمة، لا يفكر الأب في استراتيجيات الصحة العالمية، بل يفكر في تكلفة “روشتة” الدواء، وقيمة الفحص المعملي، وأيام العمل التي ستضيع إذا سقط أحد أبنائه فريسة للحمى. الملاريا في بلادنا ليست مجرد مرض مستوطن؛ إنها ضريبة باهظة يدفعها الفقراء من صحتهم وقوت يومهم.

بالأمس، طالعتُ البيان الصحفي لوزارة الصحة الاتحادية بمناسبة اليوم العالمي للملاريا. الكلمات كانت أنيقة ومبشرة: وعود برؤية استراتيجية جديدة، وتوفير عادل لخدمات مكافحة النواقل، وإدخال لقاحات الملاريا، وتقليص معدلات الإصابة بنسبة 50% بحلول عام 2030، مع التركيز على الحوامل والأطفال. على الورق، يبدو هذا التوجه شاملاً ومبشراً، ويلامس الجروح الحقيقية. لكن، بالنسبة للمواطن الذي أنهكته الأزمات وعاش تقلبات النظام الصحي في بيئات “هشة” كما وصفها البيان نفسه، تظل المسافة بين حبر البيانات وواقع المستشفيات الريفية مسافة شاسعة تحتاج إلى ما هو أكثر من النوايا الطيبة لقطعها.

إذا أردنا أن نقرأ هذه الوعود بإنصاف، علينا أن نعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء. لم يكن السودان دائماً في موقف الدفاع أمام هذا المرض. مشروع “دحر الملاريا” في سنواته الذهبية أحدث اختراقات حقيقية وملموسة. لماذا نجحنا حينها؟ لأن العمل لم يكن أسير المكاتب المكيفة. النجاح تحقق عندما تحولت المكافحة إلى عمل ميداني صارم؛ عبر حملات الرش المنتظمة في المشاريع المروية كالجزيرة ومشاريع الخرطوم، وتجفيف بؤر التوالد في المدن، وتوفير العلاج المجاني والتشخيص الدقيق في أصغر المراكز الصحية. السر لم يكن في الميزانيات الضخمة وحدها، بل في “الجدية المؤسسية” واعتبار البعوضة تهديداً للأمن القومي، لا مجرد مشكلة طبية.

اليوم، كي تستطيع الصحة الاتحادية إحداث اختراق يشبه أمجاد الماضي، وتنفذ ما التزمت به في بيانها، عليها أن تنزل بالاستراتيجية من سقف التخطيط إلى أرض الواقع الطيني. الخطوة الأولى والأهم هي “اللامركزية الحقيقية”؛ فالملاريا لا تُكافح من العاصمة، بل تُهزم في المحليات والقرى، وهذا يتطلب توجيه التمويل والموارد مباشرة للمجتمعات المحلية. ثانياً، يجب أن تعود أولوية “الوقاية الاستباقية”؛ فانتظار المرضى في طوارئ المستشفيات لمعالجتهم هو معركة خاسرة سلفاً، ومكافحة الأطوار المائية للبعوض والرش المنزلي في المشاريع الزراعية يجب أن تسبق مواسم التوالد بخطوات. ثالثاً، الشراكة المجتمعية التي ذكرها البيان لن تتحقق إلا إذا شعر المواطن أن الدولة تقف معه فعلياً بتوفير الأدوية الأساسية مجاناً ودون انقطاع، مما يعيد بناء الثقة المفقودة.

بعد اخير:

خلاصة القول، البعوض لا يقرأ البيانات الصحفية، ولا يعبأ بقرارات اللجان المشتركة، ولا ينتظر حلول عام 2030 لكي يتوقف عن اللسع. إنه يفهم فقط لغة المياه الراكدة وغياب الرقابة والمبيدات. معركتنا الحالية هي اختبار قاسٍ لمدى قدرة مؤسساتنا على الحضور الفعلي في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط.

وأخيرًا، الوعود المكتوبة قد تمنحنا شعوراً مؤقتاً بالطمأنينة، لكنها أبداً لن تخفض حرارة طفل يرتجف من الحمى؛ المقياس الوحيد لنجاح أي استراتيجية ليس بلاغة صياغتها، بل هدوء الليل في بيوت الفقراء.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 26 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.