بقلم ✍: د.محمد صالح الشيخابي *نحن بحاجة إلى ضمير فقط… فقط ضمير*
بقلم ✍: د.محمد صالح الشيخابي
*نحن بحاجة إلى ضمير فقط… فقط ضمير*

في خطوة لافتة و جديرة بالتقدير، أعلنت جامعة أم درمان الإسلامية إعفاء طلابها من رسوم الامتحانات، مراعاةً للظروف القاسية التي يعيشها الطلاب و الأسر السودانية بسبب الحرب. مبادرة إنسانية بسيطة لكنها تضيء شمعة وسط عتمة الجشع الذي خيّم على المشهد.
بينما تنهار الدول في الأزمات وتتكاتف شعوبها، يبدو أن جزءاً من مجتمعنا قد اختار أن يتحول إلى *((تاجر أزمات ))*.. تضاعفت إيجارات بيوت الطين في الولايات إلى عشرين ضعفاً، وارتفعت أسعار الوقود، والخبز، والسلع، وحتى الخدمات الطبية والإنترنت والمواصلات إلى أرقام فلكية.
تصوروا أن أحد الفنادق في بورتسودان يبيع ساعة الإنترنت بـ20 ألف جنيه، بينما يطلب أصحاب عربات النقل (الدفارات) ما بين 300 ألف إلى نصف مليار جنيه لنقل المواطنين بين الولايات!
أين ذهب شعار *((البيعجز يقع بيناتنا بنسندو ))*؟ صار من يسقط بيننا يُؤكل لحمه بلا رحمة.
في الدول التي تعرف معنى “الحضارة”، يُخفض الناس استهلاكهم في الأزمات لتخفيف العبء على الآخرين.مثلا ً أسرة تستهلك عشرين رغيفا في اليوم .. تقلل استهلاكها من الخبز أثناء الأزمات إلى عشرة أو اقل ليكفي الجميع اسهاما ً منها في حل أزمة الخبز ، ورجال أعمال يتبرعون بمخابز مجانية. أما نحن، فما زلنا نعدّ أنانية بعضنا من علامات الذكاء!
يا خي حتى في الجاهلية قبل الإسلام كان أهل مكة إذا جاء موسم الحج خرجوا بنساءهم و أطفالهم إلى الجبال و معهم مؤونة شهر و يتركوا ديارهم مفتوحة و مفروشة لحجاج بيت الله الحرام ليسكنوا و يقيموا فيها طيلة شهر الحج ..
أحلم – ولعل الحلم يصبح واقعاً – بأن نقرأ قريباً أخباراً مثل:
*إتحاد أصحاب المخابز* يوزع الخبز مجاناً لمدة شهر في المناطق المحررة.
*اتحاد البصات السفرية* يعلن رحلات مجانية بين الولايات يومي الإثنين والخميس.
*الأطباء والصيادلة و اتحاد المهن الصحية* يقدمون الكشف و الفحوصات والعلاج مجاناً يومي الجمعة والسبت.
*وزارة الطاقة* تفتح عشر طلمبات في كل ولاية لبيع الوقود بربع السعر.
*مطاعم وطنية* تقدم وجبات و مشروبات ساخنة مجاناً لمدة شهر في أي منطقة تُحرَّر حديثا ً.
*وزارة التربية و التعليم* تعلن عن إعفاء جميع طلاب الأساس و الثانوي من الرسوم هذا العام ..
شركات سوداني و زين و بنك امدرمان و مؤسسات وطنية أخري و رجال أعمال يعلنون عن تبرعهم بمبلغ ( .. ) مليون دولار لإعادة للإعمار و دعم الأسر الفقيرة..
ديوان الزكاة يعلن عن مشاريع التمويل الأصغر لتوفير مصدر دخل ل 200 ألف أسرة في كل ولاية ..
على الحكومة أن تجعل المواطن يشعر بأنها تمثله و تشعر بآلامه فتعفيه من الضرائب و الجبايات و الإتاوات و رسوم الترخيص و المرور و غيرها و أن تكف السلطات عن مطاردة الباعة المتجولين و ( الفريشة ) الذين يفترشون الأرض ببضاعتهم و بدلا ً عن ذلك تعمد الحكومة إلى تقنين وضعهم و منحهم طبالي أو أكشاك بالمجان أو بالتقسيط المريح جدا حتى لا يصبح الفقر و العطالة سببا ً لانضمامهم للتمرد و المليشيات و عصابات النهب و تسعة طويلة..!!
لسنا بحاجة إلى معجزة، فقط إلى قليل من الضمير.
فلنبدأ من حيث يمكننا أن نُحدث فرقًا، ولو كان بسيطًا. المبادرات الخيرية لا تحتاج لثراء، بل لنية صادقة وشعور حقيقي بالمسؤولية. الحرب كشفت هشاشتنا، لكن ما يزال بوسعنا أن نُظهر أفضل ما فينا. فلنُعد تعريف “الرجالة” و”الجدعنة” بعيدًا عن الربح من مآسي الناس، ولنجعل من التضامن لا الطمع عنوانًا لمرحلتنا القادمة.
خاتمة :
تذكّر أخي المواطن: قد تكون أنت يومًا في قلب الأزمة، تحتاج من يسندك لا من يستغلك. فلا تبنِ قوتك على ضعف غيرك، ولا ترفع سعرك على حساب دمعة ملهوف. فإن لم نكن عونًا لبعضنا في زمن الحرب، فمتى سنفعل ؟
د . محمد صالح الشيخابي..
26 مايو 2025
