منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*واشنطن: إنقاذ المليشيا.. وخنق الدولة* د. ياسر محجوب الحسين

0

*واشنطن: إنقاذ المليشيا.. وخنق الدولة*

 

د. ياسر محجوب الحسين

ناعمة

 

 

في تطور سياسي نوعي، التقى رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الإثنين الماضي في جنيف، بمستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مسعد بولس، في اجتماع مطوّل استمر نحو ثلاث ساعات، جرى بترتيبات إقليمية معقدة شملت دولا لها علاقات جيدك مع السودان. اللقاء، الذي جاء بعد أيام من فشل اجتماع اللجنة الدولية الرباعية بزعامة الولايات المتحدة وعضوية دولا إقليمية) في تحقيق أي اختراق، اعتبرته دوائر المراقبين أحدث محاولة أمريكية لالتقاط أنفاس مليشيا الدعم السريع قبل سقوطها الكامل.

مصادر متعددة أكدت أن البرهان حمل معه ملفات أمنية توثق تورط دول إقليمية في تسليح وتمويل المليشيا، وفتح مطارات في دول مجاورة لنقل الإمدادات إلى دارفور وكردفان. كما شدد في اللقاء على رفض أي دور سياسي للمليشيا مستقبلًا، وهو ما يعكس فجوة واضحة مع الرغبة الأمريكية، التي — وفق ما استشف من مجريات الاجتماع — تميل إلى إبقائها جزءًا من المعادلة السياسية.

واشنطن، عبر مستشار ترامب، أدانت جرائم المليشيا وإعلانها حكومة موازية في نيالا، واعتبرت ذلك خطرًا على وحدة البلاد. لكن الرسالة الضمنية كانت أوضح من أن تُخفى: وقف الحرب الآن، مع ضمان بقاء الدعم السريع طرفا سياسيا. هذه هي الجزرة المسمومة التي تريد أمريكا إطعامها للسودانيين — إدانة لفظية للجرائم، مقابل حماية عملية لوجود المليشيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تتحرك واشنطن إلا الآن؟ لماذا صمتت طوال عامين من الجرائم والتهجير والحصار، ثم هرولت فجأة إلى طاولة التفاوض؟ الجواب بسيط: لأن الجيش السوداني يحقق تقدما ميدانيا كبيرا، ولأن الفاشر على وشك أن تتحرر، والمليشيا تنهار بوتيرة متسارعة وتمد يدها لأي قشة لتنقذها من الغرق المحتوم.

التفاصيل اللوجستية تكشف طبيعة المشهد: دور تركي في الترتيبات وطائرة رئاسية لدولة وسيطة تنقل البرهان إلى جنيف. كل هذا يؤشر إلى أن اللقاء لم يكن مجرد بحث في “وقف إطلاق النار”، بل جزء من هندسة سياسية إقليمية–دولية لإنقاذ المليشيا عبر المساومات.

وما يزيد الشبهة أن اللقاء جرى في أجواء من السرية والكتمان، حتى داخل الأوساط السودانية، ما دفع شخصيات سياسية موالية ومعارضة للمطالبة بالشفافية الكاملة ومصارحة الشعب بما دار.

هذا المشهد ليس جديدًا في السياسة الأمريكية تجاه السودان. فمنذ التسعينات، اعتمدت واشنطن سياسة إضعاف الخرطوم المركزية، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو دعم الحركات المتمردة، أو الدفع نحو تقسيم البلاد كما حدث في 2011. الهدف لم يكن يوما “الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”، بل ضمان ألا تقوم في قلب أفريقيا دولة مركزية قوية بسند من جيش موحد، يمكن أن يشكل قوة إقليمية مستقلة.

اليوم، أعادت واشنطن إنتاج هذه السياسة بأداة جديدة: مليشيا الدعم السريع. إبقاء هذه المليشيا جزءا من المشهد السياسي يعني بقاء الخرطوم رهينة لمعادلة قوى مختلة، تمنع أي مشروع وطني لبناء دولة مركزية صلبة.

مجرد الحديث عن إدماج المليشيا في العملية السياسية الآن يوجه ضربة معنوية للمجهود الحربي، خاصة في معركة فك الحصار عن الفاشر. وقف الحرب في هذا التوقيت ليس سلاما، بل قطع لطريق النصر الوطني وإعطاء القتلة فرصة لإعادة تجميع صفوفهم.

لقاء جنيف قد يكون بالنسبة لواشنطن محاولة أخيرة لإنقاذ المليشيا، لكنه بالنسبة للسودان يجب أن يكون جرس إنذار. النصر الميداني يجب أن يُترجم إلى حسم سياسي يحفظ السيادة، لا أن يُبدد في صفقات دولية تعيد إنتاج الخراب. كما أن المستهدف الجيش بحرق شعبية قائده الذي اكتسبها من موقفه القوي من المليشيا الإرهابية؛ فضرب شعبية قائد الجيش في المحصلة هز موقف الجيش.

الرسالة التي يجب أن تكون واضحة: من يقبل بعودة المليشيا إلى السياسة، يقبل بوضع عنق السودان تحت حبل الوصاية الأجنبية. ومن يرفض، عليه أن يمضي حتى النهاية، لأن النصر الناقص هزيمة مؤجلة.
15/08/2025
للاطلاع على مزيد من مقالات الكاتب سلسلة (أمواج ناعمة): https://shorturl.at/YcqOh

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.