*تغيير المحافظين في بنك السودان المركزي … هل أزمة الكفاءات ام خلل في السياسات* بقلم د. احمد حسن الفادني.
*تغيير المحافظين في بنك السودان المركزي … هل أزمة الكفاءات ام خلل في السياسات*
بقلم د. احمد حسن الفادني.

منذ سنوات طويلة يعاني السودان من الأزمات الاقتصادية و السياسية بسبب اسباب داخلية وخارجية ومنها
مسألة تغيير محافظي بنك السودان المركزي التي تعد واحدة من أكثر الظواهر تكرارا في المشهد الاقتصادي والسياسي السوداني.
كلما استلم محافظ تكررت ذات الأسئلة في الأذهان:
1. هل المشكلة في الكفاءات؟ و لا يبدو ذلك!!!
2. هل الخلل في السياسات؟ من محتمل!!!
3. هل الوضع الاقتصادي هو الجاني؟ ممكن !!!
ولكن أين تكمن الأزمة الحقيقية إذا؟
# الكفاءة ليست المشكلة… ولكنها ضحية:
يجمع الاقتصاديون على أن السودان لا يفتقر إلى الكفاءات المصرفية ولا إلى الخبرات الاقتصادية القادرة على إدارة البنك المركزي بوعي وحكمة،فالمشكلة ليست في من يجلس على الكرسي بل في البيئة التي تتشكل حوله.
فما قيمة الكفاءة إن كانت محاصرة بتدخلات فوقية وسياسية تحد من الاستقلالية؟
المحافظ في الغالب يجد نفسه أمام معادلة معقدة فمطلوب منه إصلاح واقع اقتصادي مثقل بالعجز بينما لا تترك له الأدوات الحقيقية للقيام بالإصلاح ،انه أشبه بطبيب يطلب منه إنقاذ المريض فيما آخرون يصرون على حقن الجسد بسمّ جديد كل يوم.
# السياسات المتضاربة… وأزمة غياب التناغم:
تبدو السياسة النقدية في السودان كمن يسير في طريق لا يعرف وجهته تارة يكون الهدف دعم الجنيه وتارة أخرى خفض التضخم وثالثة تمويل العجز الحكومي.
تلك الأهداف الثلاثة لا يمكن تحقيقها معا في اقتصاد هش محدود الموارد ومتعدد الأسعار.
فعندما يسعى البنك المركزي لامتصاص السيولة للحد من التضخم يجد نفسه مضطرا في الوقت ذاته لطباعة العملة لتغطية عجز الموازنة
و بهذا التناقض البنيوي تتحول السياسة النقدية إلى رد فعل سياسي أكثر من كونها خطة اقتصادية مدروسة وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فالسياسة النقدية لا تعمل في فراغ بل تتأثر مباشرة بالسياسة المالية للدولة وبقرارات أجهزة لا تخضع للمنطق الاقتصادي بقدر ما تخضع للظروف السياسية والاجتماعية، وهكذا يحاسب المحافظ على نتائج لم يكن هو من صنع أسبابها.
# الوضع الاقتصادي ( العاصفة التي تبتلع كل محاولة إصلاح):
لا يمكن إنكار أن البيئة الاقتصادية نفسها أصبحت خانقة لأي إصلاح نقدي، اقتصاد يعيش على الهامش عبر صادرات محدودة و فجوة نقد أجنبي متفاقمة وتعدد أسعار صرف تربك الأسواق والمستثمرين، في ظل هذه الأوضاع يصبح المحافظ الجديد كمن يلقى في بحر متلاطم الأمواج دون بوصلة ولا قارب إنقاذ، لكنه رغم ذلك يطالب بالوصول إلى الشاطئ سالما، فكيف ذلك!!!
إن التحديات الاقتصادية في السودان تتجاوز قدرات أي شخص مهما بلغت خبرته لأنها ببساطة أزمة منظومة وليست مسألة إدارة، منظومة تحتاج أن متكاملة بالتنسيق و التكامل من خلال تنظيم الأدوار و المسؤوليات وهذا دور مجلس الوزراء وليست أزمة إدارة.
# تغيير المحافظين عرض لأزمة أعمق:
إن كثرة التغييرات على رأس البنك المركزي ليست في جوهرها قرارا إداريا عاديا انما مؤشر على اضطراب شامل في النظام الاقتصادي والسياسي ككل.
فحين تكون القيادة الاقتصادية رهينة للادارة السياسية أو التغيرات الحكومية، فإن الاستمرارية المؤسسية تصبح مستحيلة، يتغير المحافظ فتتغير السياسات وتلغى الخطط السابقة دون تقييم أو تراكم معرفي بسبب العزلة المؤسسية، هكذا تظل المؤسسة النقدية في حالة دوران في مكانها لا تتقدم خطوة حقيقية إلى الأمام.
هذه الظاهرة ليست مجرد خلل إداري انما تعبير عن غياب الرؤية الاقتصادية الوطنية الموحدة، فالبنك المركزي لا يعمل بمعزل عن المالية أو الصناعة أو الزراعة أو الاستثمار أو الجمارك أو الضرائب أو غيرها ، فحين تغيب الاستراتيجية الاقتصادية الشاملة يتحول كل قطاع إلى جزيرة مستقلة تعمل بعقيدتها الخاصة ويضيع الاقتصاد بين تضارب الأولويات وازدواجية القرارات.
# أين جوهر الأزمة إذن؟
جوهر الأزمة ليس في الأشخاص انما في غياب الإطر المؤسسية المستقرة التي تحمي استقلال القرار النقدي ، فالبنك المركزي في السودان ما زال رغم أهميته كيانا محاصرا بين ضغوط السياسة ومتطلبات السوق، فهو مطالب بدعم الجنيه بينما الدولة نفسها تفاقم العجز وتضعف الإنتاج من خلال عدم توازن السياسات، وايضا مطالب بجذب النقد الأجنبي بينما لا توجد بيئة استثمارية مستقرة وهو ملام حين تتدهور العملة وكأن الأمر بيده وحده.
إن استقلالية البنك المركزي لا تعني أنه ترفا أكاديميا انما شرط أساسي لبناء الثقة الاقتصادية وهي الثقة التي تعد رأس المال الأول لأي دولة تريد إصلاح اقتصادها.
# الأسئلة التي لا بد أن تطرح:
1. هل يمكن للبنك المركزي أن يعمل بفعالية في ظل غياب الاستقرار السياسي؟
2. هل يمكن للسياسات النقدية أن تنجح دون تناغم مع السياسات المالية والإنتاجية؟
3. هل تغيير الوجوه هو الحل أم أن المطلوب إصلاح هيكل القرار الاقتصادي نفسه؟
4. متى يفهم أن البنك المركزي ليس جهة تنفيذ أوامر انما ضمير الاقتصاد الوطني الذي يفترض أن يحمي الدولة من نفسها أحيانا؟
# نحو إصلاح حقيقي لا تجميل مؤقت :
الإصلاح عملية شاملة لا يبدأ بتغيير المحافظين فقط انما بتغيير فهم بالإدوار المؤسسية لطبيعة دور البنك المركزي ، لن يتحقق ذلك إلا عبر:
1. تعزيز استقلالية البنك المركزي قانونيا وفعليا بعيدا عن أي تأثيرات سياسية خارجية.
2. وضع أطر دائمة للتنسيق بين السياسات المالية والنقدية والإنتاجية.
3. ترسيخ مبدأ الاستمرارية المؤسسية بحيث لا تلغى السياسات بتغيير الأشخاص أو الحكومات.
4. تأسيس رؤية اقتصادية وطنية طويلة المدى تستند إلى الإنتاج دون اللجوء للمضاربات.
# الأزمة أعمق من المناصب :
تغيير المحافظين ليس سبب الأزمة بل عرض لها، انما هي أزمة منظومة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والإدارة بالولاءات.
وحين يفهم أن الكفاءة لا يمكن أن تعمل في بيئة غير مؤسسية، سيدرك الجميع أن المشكلة ليست في الأشخاص الذين يأتون ويذهبون وانما في الهيكل الذي يبتلعهم جميعا.
الإصلاح لن يبدأ بوجه جديد في البنك المركزي انما بعقل جديد في الدولة كلها حينها فقط سيتحول تغيير المحافظ من طقس سياسي متكرر إلى انتقال تراتبي مؤسسي طبيعي، و من لحظة إطفاء أزمة إلى مرحلة بناء اقتصادٍ يعرف طريقه إلى الثبات والنهوض.
(ماذا نقول بعد ذلك فالكلام انتهي ؟!)
