*من اليمن و الصومال .. قد أتاكم نبأ الحرب علي السودان* ✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
*من اليمن و الصومال .. قد أتاكم نبأ الحرب علي السودان*
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

ما يجري في جنوب اليمن اليوم ، لا سيما التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا ، وما تبعها من توتر وردود أفعال سياسية وعسكرية داخل التحالف العربي ، وتغير ملحوظ في الموقف السعودي ، وداخل حكومة رشاد العليمي ومجلس التعاون الخليجي نفسه من ردود أفعال لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا يمنيًا معزولًا ، بل باعتباره حلقة كاشفة في سلسلة ممتدة من أنماط التدخل الإقليمي التي تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للدول المستهدفة على امتداد البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا .
وفي هذا السياق ، تبرز أمام السودان فرصة استراتيجية نادرة لإعادة تأكيد وترسيخ سرديته السياسية والأمنية ، ليس بوصفه دولة تعاني من تمرد داخلي محدود ، بل كدولة تتعرض لعدوان خارجي منظم ، تتقاطع فيه أدوار إقليمية مع حسابات دولية وإسرائيلية دقيقة .
لقد أثبتت التجربة اليمنية ، كما سبقتها الليبية والصومالية ، أن النموذج الإماراتي في إدارة الصراعات يقوم على صناعة كيانات ومليشيات مسلحة موازية ، وتفكيك الجيوش النظامية ، والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية الحيوية ، تحت شعارات براقة مثل مكافحة الإرهاب أو دعم الاستقرار .
هذا النموذج ذاته يتكرر في السودان عبر الدعم السياسي والمالي والعسكري لمليشيا الدعم السريع ، بما يجعل الصراع السوداني امتدادًا مباشرًا لهذا النمط وليس استثناءً عنه .
غير أن الأخطر في هذه المعادلة لا يقتصر على الدور الإماراتي المباشر ، بل يتجاوزه إلى الدور الإسرائيلي غير المعلن ، لكنه الفاعل والمؤثر ، في توجيه هذه السياسات وتغذيتها .
فإسرائيل ، التي تنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن بوصفها شرايين أمن قومي ، عملت خلال السنوات الماضية على بناء شبكة نفوذ غير تقليدية في هذه المناطق ، مستخدمة شركاء إقليميين للقيام بأدوار لا ترغب في الظهور العلني بها .
ومن هنا يصبح الدعم الإسرائيلي للتوجهات الإماراتية في اليمن والسودان والصومال وليبيا جزءًا من استراتيجية واحدة تهدف إلى ضمان السيطرة غير المباشرة على الممرات البحرية ، وإضعاف الدول المركزية المطلة عليها ، وتحويلها إلى ساحات نفوذ متنازع عليها يسهل التحكم بها .
في اليمن ، كان تمكين المجلس الانتقالي الجنوبي من السيطرة على عدن وموانئ الجنوب خطوة في هذا الاتجاه ، وفي ليبيا جرى الاستثمار في تفكيك الدولة لصالح مليشيات وسلطات أمر واقع ، وفي الصومال أُضعفت الحكومة المركزية عبر دعم كيانات أمنية محلية مرتبطة بالموانئ .
أما في السودان ، فإن الرهان على مليشيا الدعم السريع لم يكن معزولًا عن هذه الرؤية ، بل جاء في إطار السعي لإعادة هندسة الدولة السودانية ، وإبعادها عن دورها الطبيعي كقوة محورية في البحر الأحمر وعمقها العربي والإفريقي .
من هذا المنطلق ، يستطيع السودان أن يعزز سرديته الدولية والإقليمية بالاستناد إلى المقارنة لا إلى الادعاء ، وإلى البرهنة النمطية لا إلى الخطاب العاطفي .
فما يحدث في الخرطوم ودارفور ليس صراعًا على السلطة بين مكونات داخلية متناحرة ، بل جزء من مشروع إقليمي لتفكيك الدولة الوطنية ، والسيطرة على سواحلها ، وتحويلها إلى نقطة ضغط في معادلات أمن البحر الأحمر .
وهذه السردية تكتسب قوتها من تزامن الأحداث وتشابه الأدوات وتطابق الأهداف عبر أكثر من ساحة .
كما أن إعادة توصيف الحرب في السودان بهذه الكيفية لا يخدم السودان وحده ، بل يضع الجوار الإقليمي أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها .
فأمن السودان ليس منفصلًا عن أمن مصر ، التي تعتمد بشكل استراتيجي على استقرار جنوبها الغربي وسلامة البحر الأحمر ، ولا عن أمن السعودية ، التي باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن أي فوضى على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر أو في خاصرتها الجنوبية ستنعكس مباشرة على أمنها القومي ومشاريعها الاقتصادية الكبرى .
إن السماح بانهيار الدولة السودانية أو تحويلها إلى نموذج مليشياوي شبيه بما حدث في عدن أو بنغازي ، يعني فتح الباب أمام فوضى ممتدة تهدد الملاحة الدولية ، وأمن الطاقة ، واستقرار الإقليم بأسره .
لذلك ، فإن اللحظة الراهنة تفرض على السودان أن ينتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة السردية ، وأن يخاطب محيطه العربي والدولي بلغة المصالح المشتركة لا بلغة المظلومية وحدها .
فالسودان لا يطلب تعاطفًا ، بل يعرض قراءة واقعية لمخاطر مشروع إقليمي ثبتت خطورته في اليمن وارتداده السلبي على أمن المنطقة .
وما لم يتم احتواء هذا المشروع في السودان ، فإن ارتداداته لن تقف عند حدوده ، بل ستطال القاهرة والرياض ، وتهدد أمن البحر الأحمر من باب المندب إلى السويس .
إن توصيف ما يجري في السودان كعدوان خارجي منظم ، تقوده مليشيا بالوكالة وتدعمه قوى إقليمية بتغطية إسرائيلية ، ليس خطابًا تصعيديًا أو افتراضيا ، بل قراءة استراتيجية تستند إلى الوقائع والتجارب القريبة والماثلة .
وهي قراءة ، إن أُحسن تقديمها بهدوء واتزان ، قادرة على إعادة تموضع السودان في معادلة الإقليم ، وتحويل معركته من صراع داخلي إلى قضية أمن إقليمي تتقاطع عندها مصالح العرب قبل غيرهم .
