منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صداء وطنية بقلم: برمة أبوسعادة *سجن دقريس محرقة بشرية صامتة في قلب نيالا*

0

صداء وطنية

 

بقلم: برمة أبوسعادة

 

*سجن دقريس محرقة بشرية صامتة في قلب نيالا*

 

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بخطابات السياسة وموائد التفاوض تعيش آلاف الأرواح السودانية مأساة مكتملة الأركان خلف أسوار سجن دقريس بمدينة نيالا جنوب دارفور حيث تتجسد واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية في العصر الحديث بعيداً عن عدسات الكاميرات وضجيج الإعلام وهي جرائم ترتكبها مليشيا الدعم السريع بصورة ممنهجة ومنظمة.
ما يحدث داخل سجن دقريس لا يمكن تصنيفه كاحتجاز أو إجراء أمني بل هو مشروع موت منظم تديره المليشيا بوعي كامل حيث تتعرض أجساد المعتقلين للتعذيب المنهجي وتتعرض أرواحهم للقتل البطيء عبر الجوع والإهمال الطبي والحرمان المتعمد من العلاج والدواء في ظل ظروف احتجاز لا إنسانية تهين الكرامة وتسحق ما تبقى من الحياة.

تشير المعلومات المتطابقة إلى أن ما يقارب تسعة عشر ألف معتقل محتجزون داخل السجن تحت سيطرة المليشيا في مساحات ضيقة لا تتسع إلا لجزء يسير من هذا العدد حيث الاكتظاظ الخانق وانعدام التهوية والمياه النظيفة والغذاء الكافي مما جعل السجن بؤرة مثالية للأمراض والأوبئة والموت الجماعي الصامت
وما يزيد من فداحة المشهد أن بين المعتقلين من لا يقوون على الوقوف على أقدامهم وبعضهم لم يعد قادراً حتى على الكلام بينما دخل آخرون في حالات نفسية خطيرة أشبه بفقدان الوعي نتيجة التعذيب المستمر الذي تمارسه المليشيا والضغط النفسي والجوع والخوف وهي أوضاع تؤكد أن السجن تحول إلى أداة لكسر الإنسان جسداً وروحاً وليس مجرد مكان احتجاز

داخل هذه الجدران يسقط المعتقلون واحداً تلو الآخر لا برصاص مباشر ولكن بسياسة الإبادة البطيئة التي تنفذها المليشيا فمنهم من يفارق الحياة تحت التعذيب ومنهم من يموت جوعاً ومنهم من ينهكه المرض حتى الموت دون أن يجد طبيباً أو دواء وكأن هدف المليشيا ليس الاحتجاز بل الإزالة التدريجية لأي صوت أو وجود إنساني.
الأخطر من ذلك أن ما تقوم به المليشيا داخل سجن دقريس لا ينفصل عن مشروع أوسع يهدف إلى التخلص من أي شخص يمثل زعامة اجتماعية أو رمزية حتى على مستوى أهله وعشيرته وذلك لإفراغ المجتمع من قياداته الطبيعية وتركه بلا سند ولا وعي تمهيداً لفرض واقع تتسيد فيه الجهالة وتقوم فيه مملكة عيال دقلو ضمن مخطط إقليمي تقوده مملكة عيال زايد لإعادة تشكيل المجتمع بالقهر والسلاح
إن هذه الممارسات التي ترتكبها المليشيا تمثل وفق القانون الدولي الإنساني جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان وهي جرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة أمنية أو سياسية.
وفي هذا السياق يصبح من الضروري لفت انتباه المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية واتحادات الصحفيين العرب والأفارقة ونقابات المحامين على المستويين المحلي والدولي إلى خطورة ما تقوم به المليشيا داخل سجن دقريس باعتباره جريمة مستمرة تستوجب تحركاً عاجلاً لكسر جدار الصمت وفتح هذا الملف أمام المساءلة والعدالة
الأخطر من الجريمة ذاتها هو الصمت المحيط بها فالصمت الدولي والإعلامي تجاه جرائم المليشيا في سجن دقريس لا يقل فداحة عن الفعل نفسه لأنه يمنح الجناة مزيداً من الوقت ويحول معاناة الضحايا إلى أرقام منسية.
ما يجري في دقريس اليوم هو اختبار حقيقي لضمير العالم واختبار أقسى لضمير السودانيين أنفسهم فإما أن يُكسر جدار الصمت وتوضع جرائم المليشيا أمام العدالة أو يستمر النزيف الإنساني في الخفاء حتى يفنى من تبقى
سجن دقريس ليس مجرد مبنى في نيالا بل شاهد حي على مرحلة سوداء من تاريخ السودان الحديث مرحلة يُقتل فيها الإنسان لأنه أعزل ومعتقل ومنسي.
والتاريخ لا يرحم
والعدالة وإن تأخرت لا تموت.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.