نقطة سطر جديد د. حيدر البدري.. يكتب *عودة حكومة الأمل الى الخرطوم.. محاذير وتحذيرات*
نقطة سطر جديد
د. حيدر البدري.. يكتب
*عودة حكومة الأمل الى الخرطوم.. محاذير وتحذيرات*

صراحة الامر يصيبك بالدهشة أكثر مما يبعث على الاطمئنان والأمل ، فقد طُرحت إلى العلن فكرة تجميع غالبية الوزارات العائدة من بورتسودان إلى ولاية الخرطوم داخل مبنى واحد بشارع أفريقيا. نعم، مبنى واحد، يُراد له أن يحتضن مؤسسات سيادية متعددة، بموظفيها، وملفاتها، وبياناتها، واختصاصاتها المتشابكة، وكأننا بإزاء تجربة إدارية رائدة لا مخاطرة أمنية جسيمة.
الأدهى من القرار ذاته، هو طريقة تقديمه للرأي العام. فقد جاء الإعلان عنه بالصورة والصوت، وبُثّ على نطاق واسع عبر الفضائيات والمنصات الحكومية والخاصة، في خطاب احتفائي يوحي بأننا أمام “إنجاز” يُضاف إلى سجل الأداء، لا خطوة مرتجلة تفتقر إلى أبسط معايير التحوّط والحسّ الاستراتيجي. وكأن الدولة، في لحظة بالغة الهشاشة، قررت أن تستعرض نقاط ضعفها على الملأ، وأن تقدّم أهدافها السيادية مجمّعة في طبق واحد.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز فوقه: أين جهازي الاستخبارات والمخابرات العامة؟ وأين الصوت المهني الذي يفترض أن يُسمع عالياً عند اتخاذ قرارات من هذا الوزن؟ أين الحسّ الأمني الذي يُقدّر العواقب قبل أن يُبارك الإجراءات؟ هل غابت عن الذاكرة القريبة مشاهد المسيّرات، والطابور الخامس، والمتعاونين في رفع الإحداثيات، والاختراقات التي لم تكن يوماً ضرباً من الخيال بل واقعاً مُثبتاً وموثقاً؟
إن تجميع هذا العدد من الوزارات في مبنى واحد لا يُعدّ مجرد خيار إداري سيئ التقدير، بل يمثل، من منظور أمني بحت، “هدفاً مثالياً” لأي عمل عدائي، سواء أكان عسكرياً مباشراً أم استخبارياً خفياً. فبدلاً من توزيع المخاطر وتفتيت مراكز الثقل، يجري حشدها في نقطة واحدة، بما تحمله من موظفين مدنيين، ووثائق حساسة، وبيانات سيادية، وأنظمة اتصال، وسجلات لا تُقدّر بثمن.
وإذا لم يكن هذا المبنى قد أُحيط فعلياً بمنظومات تشويش عالية الدقة، قادرة على تعطيل المسيّرات ووسائط الرصد الحديثة، ومضادات نوعية تعجز الميليشيا عن التعامل معها، إلى جانب حزمة صارمة من التدابير الاحترازية تشمل الهندسة الأمنية، والتحصين، وإدارة الوصول، والتأمين السيبراني، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه إلا بإهدار سافر لموارد الدولة، ومجازفة خطيرة بأرواح الموظفينِ…والوزراء ومقدرات وآمال حكومة الامل كلها.
الدول الرشيدة، في أزمنة الاستقرار، تُفكّر مليّاً قبل أن تُركّز مؤسساتها الحساسة في نطاق جغرافي واحد. فكيف بدولة تمرّ بمرحلة انتقالية حرجة، وتواجه تهديدات مركّبة، عسكرية واستخباراتية وإعلامية؟ إن المنطق الاستراتيجي يقتضي تقليل الخسائر المحتملة، لا تعظيمها، وبناء منظومة ردع وحماية صامتة، لا صناعة أهداف مكشوفة يُشار إليها بالبنان.
إن المسؤولية الوطنية تفرض إعادة النظر في مثل هذه القرارات، لا تجميلها بخطاب إعلامي احتفائي. فالأمن القومي لا يُدار بعقلية الاستعراض، ولا تُحمى الدولة بتجميع مفاصلها في مكان واحد، بل بحسن التقدير، وتكامل الأدوار، واحترام صوت الخبراء، قبل فوات الأوان.
ايها السادة.، نحذركم من تبعات هذا الامر.
نقطة سطر جديد.
