*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي* *بين الفوضى وإعادة التأسيس..!*
*وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي*
*بين الفوضى وإعادة التأسيس..!*

الأحداث التي تزاحمت في المشهد السوداني مع نهاية الأسبوع الماضي بدت كأنها عرضٌ مسرحيّ لم تكتمل فصوله بعد : استقالة، وعطاءات مثيرة للجدل، وتصريحات متباينة، وترشيحات داخل مجلس السيادة، وأسئلة معلّقة حول المال العام. وحين تُقرأ هذه الوقائع وتُفسَّر في سياقٍ توحيدي، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام إدارةٍ للفوضى؟ أم أمام مخاض إعادة تأسيس لدولة تبحث عن شكلها الجديد بعد الحرب؟
لم يكن أسبوعًا عاديًا، لكثافة أحداثه ، بما صرف الرأي العام — عمدًا أو مصادفة — عن التحولات في محيط السودان الإقليمي والدولي، المرتبطة بمستقبل الحرب والسلام. وكأن الداخل أُغرق في جدل إداري وسياسي بصورة مدروسة، بينما كانت ملفات أكثر حساسية تتحرك في الخلفية.
بدأ الجدل بعطاء صيانة وتأهيل جسر الحلفايا. لم يكن السؤال عن الجسر ذاته، بل عن المنهج الذي تُدار به الصفقات العامة في زمن الحرب. كيف أرسي العطاء؟ ما المعايير الفنية والمالية؟ ولماذا لا تُنشر كراسات المنافسة ونتائج التقييم؟ في دولة تعاني شح الموارد وتخوض حربًا وجودية، تصبح الشفافية ، شرطًا أخلاقيًا لبقاء الثقة.
ثم جاءت استقالة عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار على خلفية ملف أراضي ولاية الخرطوم الذي أدى لإيقاف موظف حكومي ، لتعيد إلى الواجهة مبدأ ظل غائبًا طويلًا: تحمّل المسؤولية. فالاستقالة في معناها العميق، ليست حدثًا شخصيًا، بل اختبار لفكرة أن المنصب العام ليس حصانة دائمة. غير أن الاستقالة لم تُنهِ الأسئلة، بل وسّعتها: كيف تُدار الملفات الكبرى؟ وكيف تُحصّن الإجراءات؟ ومن يمارس الرقابة؟
تتراكم الوقائع لتكشف معضلة واحدة : الخدمة المدنية تعمل، لكن بلا حماية مؤسسية كافية، الإنفاق يتم، لكن دون وضوح كامل، التعاقدات تُبرم، لكن من غير منافسة معلنة، والرأي العام يُطلب منه الثقة، دون أن يُمنح المعرفة. قد تبرر الحرب إجراءات استثنائية، لكن الخطر أن تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وأن يُعاد تعريف “الضرورة” لتصبح مدخلًا لطمس النزاهة والشفافية .
تصريحات الفريق مهندس إبراهيم جابر، التي نفى فيها حل لجنة تهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم مؤكدًا أن ما جرى تعليق مؤقت، سعت جاهدة إلى رسم خط فاصل بين دور اللجنة ووزارة المالية. غير أن المواطن لا يرى مؤسسات منفصلة، بل يرى دولة واحدة مسؤولة. وأي خلل في الشفافية داخل جزء من المنظومة ينعكس على الثقة في كل بناء الدولة وإدارتها .
الحديث عن استئجار مقار بالنقد الأجنبي، وعقود وقود الطائرات، ومشتريات المركبات، يكشف أن المسألة ليست مشروعًا بعينه، بل بنية كاملة لإدارة المال العام. غياب المعلومات لا يفتح باب الشبهات فحسب، بل يُضعف الرصيد الأخلاقي الذي تحتاجه السلطة في زمن الحرب.
خلف هذه الوقائع يبرز صراع مكتوم حول الصلاحيات داخل الجهاز التنفيذي، على خلفية القرار رقم (13) الذي منع الوزراء من المشاركة في اجتماعات أو لجان معينة. قرار يبدو تنظيميًا في ظاهره، لكنه يعكس في جوهره أزمة ثقة ومحاولة لإعادة رسم موازين النفوذ. السؤال هنا ليس عن لجان، بل عن من يملك القرار، ومن يُقصى من دوائره الضيقة.
ثم انتقل الجدل من الملفات إلى الأشخاص، مع تداول أسماء بديلة محتملة لعضوية مجلس السيادة، من بينها الهندي عزالدين، ومريم الشريف الهندي، وأبو عاقلة كيكل. ليس من اعتراض على الأسماء، بل على المنهج الذي يحكم الترشيحات. فالمنصب السيادي ليس مكافأة ولا امتدادًا لشهرة أو علاقات، بل موقع قرار يتطلب تأهيل أكاديمي و معرفة مؤسسية، وإلمامًا بالدستور، وقدرة على قراءة التعقيدات السياسية والاقتصادية.
إذا ما وُضعت هذه القضايا في سياق واحد، فإنها ترسم ملامح مشهد متوتر : دولة تخوض حربًا، وتعيش صراعًا صامتًا في مفاصلها، بينما ينشغل الرأي العام بوقائع تُدار بطريقة تصرفه عن جوهر المعركة. ليست المشكلة في الجدل ذاته، بل في غياب الأطر التي تجعله منتجًا، وفي افتقار المؤسسات للشفافية التي تحول النقد إلى فرصة إصلاح لا إلى حالة تشظٍ.
في موازاة هذا الجدل الداخلي، كان السودان يتحرك خارجيًا. مشاركة رئيس الوزراء كامل إدريس في مؤتمر ميونيخ للأمن، وطرح “مبادرة السودان للسلام”، وعودة البلاد إلى منظمة الإيقاد، ومساعي رفع التجميد عن عضويته في الاتحاد الإفريقي، كلها مؤشرات على سعي لإعادة التموضع إقليميًا ودوليًا. ويتزامن ذلك مع حديث عن اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار خلال رمضان، ومع تقدم عسكري حاسم في كردفان، وعودة تدريجية لمطار الخرطوم وللمؤسسات التعليمية والصحية والسفارات.
المفارقة بحسب #وجه_الحقيقة : تكمن في دولة تُسوّق خارجيًا للاستقرار والانفتاح، لكنها داخليًا عاجزة عن تقديم نموذج شفاف لإدارة شؤونها. الثقة تُبنى بالمؤسسات المسؤولة والمال العام المدار بوضوح، لا بالخطابات والوعود. إذا لم تُستغل هذه المرحلة لإعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس الشفافية والحوكمة، ستستمر الفوضى التي قادتنا إلى الحرب، وكما يقول فلاسفة السياسية : الدول لا تنهار حين تفشل في البناء، بل حين يفقد الناس القدرة على الإيمان بها.
دمتم بخير وعافية.
السبت 14 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com
