منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*مسارات* *د.نجلاء حسين المكابرابي* *انتهاك المستريحة… جريمة تُعرّي طبيعة الحرب وتكشف سقوط القيم*

0

*مسارات*

*د.نجلاء حسين المكابرابي*

 

*انتهاك المستريحة… جريمة تُعرّي طبيعة الحرب وتكشف سقوط القيم*

 

——————
في سياق الحرب السودانية الراهنة، لم تعد الانتهاكات مجرد أخبار عابرة في نشرات المساء، بل تحولت إلى مشاهد يومية تُختبر فيها إنسانية المجتمع وقوة مؤسساته. وما يُتداول عن انتهاك “مستريحة” – أي امرأة مدنية آمنة داخل بيتها أو محيطها الاجتماعي – على يد عناصر تتبع لـ قوات الدعم السريع، إن صحّت تفاصيله، فإنه لا يمثل حادثة فردية معزولة، بل يعكس نمطًا خطيرًا من السلوك المسلح المنفلت من الضبط والقانون.
أولاً: دلالات الاستهداف
استهداف امرأة مدنية، لا تحمل سلاحًا ولا تنخرط في صراع، يكشف تحوّل الحرب من مواجهة عسكرية إلى ممارسة عنف موجه ضد المجتمع ذاته. فالمرأة – خصوصًا إن كانت كبيرة في السن أو في وضع اجتماعي ضعيف – تمثل رمزًا للأمان الأسري والسكينة الاجتماعية. والاعتداء عليها يحمل رسالة ترهيب أوسع من حدود الجريمة ذاتها، مفادها أن لا أحد في مأمن.
في النزاعات المسلحة، غالبًا ما يُستخدم العنف ضد النساء كأداة إذلال جماعي، يُراد بها كسر الروح المعنوية للمجتمعات، وبث الرعب، ودفع السكان إلى النزوح القسري. وهنا تتحول الجريمة من فعل إجرامي فردي إلى أداة سياسية ضمن سياق الحرب.
ثانيًا: الإطار القانوني
القانون الدولي الإنساني واضح في تحريم الاعتداء على المدنيين، وتجريم العنف الجنسي وكل أشكال الانتهاك الموجه ضد النساء. اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها تضع حماية المدنيين في صلب قواعد النزاعات المسلحة. وأي اعتداء على امرأة داخل منزلها يُعد:
جريمة حرب إن ارتُكب في سياق نزاع مسلح،
وانتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية،
وجريمة يعاقب عليها القانون الوطني والدولي.
إن الإفلات من العقاب في مثل هذه الجرائم يُغري بتكرارها، ويقوّض أي حديث عن دولة قانون أو عملية سياسية جادة.
ثالثًا: البعد الأخلاقي والاجتماعي
السودان، عبر تاريخه الاجتماعي، عُرف بتقديسه للمرأة واحترامه للكبير وصون البيوت. وعندما تُنتهك “المستريحة” داخل منزلها، فإن الجرح لا يصيب الضحية وحدها، بل يصيب منظومة القيم بكاملها. إنه انهيار في الضوابط الأخلاقية التي كانت تشكل حصن المجتمع في أوقات الشدة.
كما أن آثار مثل هذه الانتهاكات لا تقف عند حدود الألم اللحظي، بل تمتد نفسيًا واجتماعيًا، فتخلق صدمات عميقة، وتؤسس لمشاعر انتقام، وتُضعف النسيج الاجتماعي الذي يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
رابعًا: مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي
المسؤولية الأولى تقع على عاتق الجهات المسلحة ذاتها في ضبط عناصرها ومحاسبة المتورطين. لكن في ظل واقع الانقسام والحرب، تتعاظم الحاجة إلى:
توثيق مهني دقيق للانتهاكات،
دعم الضحايا نفسيًا وقانونيًا،
الضغط الإقليمي والدولي لوقف استهداف المدنيين،
إدراج هذه الجرائم ضمن أي مسار للعدالة الانتقالية مستقبلاً.
فالسلام الذي لا يُبنى على العدالة يبقى هشًا، ويؤجل الانفجار بدل أن يمنعه.

وإن انتهاك “مستريحة” ليس خبرًا عابرًا، بل مؤشر خطير على طبيعة الصراع ومساره. فحين تُستباح البيوت، وتُستهدف النساء، تتحول الحرب إلى مشروع تدمير شامل للمجتمع. وأمام هذا الواقع، لا يكفي الغضب الأخلاقي، بل يلزم موقف قانوني واضح، وصوت مجتمعي عالٍ، ومسار عدالة لا يسقط بالتقادم.
فكرامة النساء في السودان ليست تفصيلاً في معادلة الحرب، بل معيارٌ لشرعية أي طرف يدّعي تمثيل الوطن.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.