منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*عندما يكون القانون عدلًا… لا أداة قسوة* *د/اميرة كمال مصطفى*

0

*عندما يكون القانون عدلًا… لا أداة قسوة*

*د/اميرة كمال مصطفى* ️

في الأوطان المستقرة، يُطبَّق القانون بروحه ونصّه معًا.
أما في الأوطان التي خرجت من تحت حطام الحرب، فإن القانون يحتاج إلى قلبٍ يُبصر قبل أن تُبصره العيون.
لا نقول إن القانون يُعطَّل، ولا نطلب أن يُلغى حقُّ مالكٍ أو يُهدر التزامُ مستأجر.
نحن نقول فقط: إن العدالة ليست أرقامًا في صحيفة دعوى، بل قراءة كاملة للواقع.
البلاد مرت بظروف كارثية
حروب نزوح، انهيار في مصادر الدخل، توقف أعمال، تعطّل أسواق.
المانع كان عامًا، شاملًا، معلومًا للكافة.
لم يكن تقصيرًا فرديًا، ولا تهربًا متعمدًا، ولا مماطلة بسوء نية.
فكيف يُعاقَب المستأجر بالإخلاء لأنه عجز عن السداد
وهو عجزٌ فرضته ظروف يعلمها القاضي كما يعلمها المواطن؟
وكيف يُحمَّل المالك وحده تبعات واقعٍ لم يصنعه؟
إن الحكم بالإخلاء في ظرفٍ استثنائي عام،
دون مراعاة لحقيقة المانع المشترك بين الطرفين،
لا يحقق استقرارًا… بل يصنع نفورًا ويعمّق الجراح
القانون في جوهره وُضع ليحفظ المجتمع، لا ليهضم حقها.
والمحاكم على ليست فقط ساحات فصل في الخصومات،
بل مؤسسات تُسهم في حماية السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة
اليوم نحن بحاجة إلى قضاءٍ يُدرك أن البلاد في مرحلة تعافٍ
وأن التعافي لا يُبنى بأحكام قاسية تُفرّغ المدن من ساكنيها
ولا بقرارات تُغلق ما تبقّى من أبواب الأمل.
نحتاج إلى حلول وسط
إلى جدولة، إلى مهلة، إلى تسويات عادلة
إلى اجتهاد قضائي يُوازن بين النص والواقع
بين الحق المجرد والمصلحة العامة.
وفي ذات السياق، فإن على الحكومة أن تدرك أن القطاع الخاص ليس خصمًا للدولة
بل هو أحد أهم روافد الاستقرار.
التاجر، المستثمر، صاحب الورشة الصغيرة، صاحب المتجر المتواضع…
هؤلاء ليسوا أرقامًا في سجلات الضرائب
هم شرايين الاقتصاد.
الضغط في وقت التعافي ليس إصلاحًا
والجباية في زمن الحروب والدمار والانكسار ليست قوة
الدولة القوية هي التي تعرف متى تُيسِّر
متى تمنح الحوافز
متى تُخفف الرسوم
متى تفتح الأبواب بدل أن تُغلقها.
المرحلة تحتاج إلى تنازلات متبادلة
تنازل من المالك بالصبر
وتنازل من المستأجر بالالتزام قدر المستطاع
وتنازل من الدولة بالتخفيف والتحفيز
واجتهاد من القضاء بروح المسؤولية الوطنية
إن ما حدث من حربٍ ودمار يجب أن يكون عِظة و
درسًا في أن الوطن أكبر من مكاسب آنية زائله
وأكبر من فرصة يستغلها طامع أو ضعيف نفس.
ليس من الشرف أن يستغل أحدهم وجع البلاد ليُضاعف أرباحه
ولا من الحكمة أن تتحول القوانين إلى سيفٍ على رقاب المنهكين.
الوطن اليوم يحتاج إلى تضامن حقيقي
إلى قانونٍ عادلٍ رحيم
إلى حكومةٍ محفِّزة لا مُثقِلة
إلى قضاءٍ يرى الصورة كاملة لا جزءًا منها.
إذا وضع الجميع أيديهم معًا
سنُعيد بناء ما تهدّم ونعمر الوطن
وسنعود أقوى وأكثر استقرارًا.
أما إذا غلبت الفردية والضيق وقصر النظر
فإننا سنُطيل أمد الصعاب والمحن
المرحلة ليست مرحلة انتصار طرف على طرف
بل مرحلة إنقاذ وطن.
والقانون عندما يُفهم بروحه
يكون أول أدوات الإنقاذ، لا أول أسباب الانقسام.
حفظكم الله ورعاكم

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.