*البُعد الآخر* *د مصعب بريــر* *مدارس جديدة… وخريجون بلا وظائف: لماذا تهدر ميزانية الصحة؟*
*البُعد الآخر*
*د مصعب بريــر*
*مدارس جديدة… وخريجون بلا وظائف: لماذا تهدر ميزانية الصحة؟*

في كل مرة يُطرح فيها ملف إعادة إحياء المدارس المصلحية في السودان، يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل نحن أمام حاجة حقيقية للنظام الصحي، أم أمام خطوة تستهلك موارد شحيحة في توقيت بالغ الحساسية؟ القضية لم تعد عاطفية أو مرتبطة بالحنين إلى تجربة سابقة، بل صارت مسألة أرقام وواقع معاش.
بعد ما عُرف بـ“إعلان السودان”، شهد قطاع التعليم الصحي تحولاً كبيراً. تأسست أكاديمية العلوم الصحية بشراكة بين وزارة الصحة الاتحادية والنقابة العامة للمهن الطبية والصحية. لم تكن الفكرة مجرد مؤسسة جديدة، بل مشروعاً قومياً ساهم فيه العاملون في القطاع الصحي من مرتباتهم دعماً لبناء منظومة حديثة للتدريب والتأهيل. وفعلياً، تخرجت أعداد كبيرة من الأكاديمية وفروعها في معظم ولايات السودان، إلى جانب التوسع الواسع في كليات التعليم الأهلي الصحي.
ليس هذا فحسب، بل تم فتح مسارات تجسير واضحة لخريجي المدارس المصلحية القديمة، من الدبلوم إلى البكالريوس المعتمد من التعليم العالي. أي أن الباب لم يُغلق في وجه أحد، بل أُتيحت فرص لتطوير المؤهل والارتقاء المهني وفق معايير جامعية معترف بها.
اليوم، وفي ظل هذا الواقع، نجد أن مئات الخريجين ينتظرون فرص التعيين. بعضهم يعمل خارج تخصصه، وبعضهم ما زال على قوائم الانتظار. وفي ذات الإطار، أعلنت وزارة الصحة بولاية الخرطوم إجازة نتائج 298 طالباً من المعاهد والمدارس المصلحية تمهيداً لتخرجهم. خطوة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تعيد طرح السؤال الأكبر: هل سوق العمل الصحي قادر على استيعاب المزيد؟
المشكلة ليست في قيمة التدريب المصلحي تاريخياً؛ فقد لعب دوراً مهماً في سد الفجوة الصحية في فترات سابقة. لكن السياق تغيّر. اليوم لدينا أكاديمية قومية، ومعايير تعليمية محدثة، وتكدس في الخريجين. الواقع الصحي نفسه يعاني من نقص في التمويل للتشغيل، للإمدادات، ولتحسين بيئة العمل في المستشفيات والمراكز الصحية. فهل الأولوية لإنشاء مسارات تعليمية موازية، أم لتثبيت الموجودين وتحسين شروط خدمتهم؟
إعادة فتح المدارس المصلحية تعني ميزانيات جديدة: كوادر، مبانٍ، تجهيزات، وإدارة. هذه أموال يمكن أن تُوجَّه لتعيين الخريجين الحاليين، أو لتدريب تخصصي نوعي، أو لسد النقص في المناطق الطرفية. التخطيط الصحي الرشيد لا يُقاس بعدد المؤسسات، بل بمدى مواءمة المخرجات مع الاحتياج الفعلي.
القضية ليست ضد التعليم، بل مع تنظيمه. وليست ضد التوسع، بل ضد التوسع غير المحسوب. إذا كان لدينا فائض في الخريجين، فإن الحكمة تقتضي مراجعة السياسات قبل إضافة مسار جديد.
بعد اخير :
خلاصة القول، أن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج تجربة قديمة بقدر ما يحتاج إلى تعظيم الاستفادة من استثماره الكبير في أكاديمية العلوم الصحية. السؤال الذي يجب أن يُجاب بشفافية هو: كيف نوظف الكفاءات الموجودة أولاً، قبل أن نضيف أرقاماً جديدة إلى صفوف الانتظار؟
وأخيرًا، الإنصاف يقتضي أن تُبنى القرارات على بيانات دقيقة، لا على انطباعات. وصحة المواطن لن تتحسن بكثرة الشهادات، بل بحسن إدارة الموارد، وعدالة التوظيف، وربط التعليم باحتياجات الواقع. هنا فقط يصبح التعليم الصحي أداة إنقاذ حقيقية، لا عبئاً إضافياً على نظام يئن تحت الضغط.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 26 فبراير 2026م
musapbrear@gmail.com
