منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*العودة الخمجانة تحت ضجيج الجبخانة وعودة الملاعق في زمن البنادق* *محمد طلب* 

0

*العودة الخمجانة تحت ضجيج الجبخانة وعودة الملاعق في زمن البنادق*

 

*محمد طلب*

 

المرأة السودانية كائن استثنائي .. نقول ذلك ونحن على قناعة تامة أن أي تغيير حقيقي في المجتمع يبدأ منها ..دعماً وصناعةً وتوجيهاً ..والتغيير الذي لا يحدث في المرأة ومنها و إليها فهو تغيير ناقص …

في زمن الحرب والنزوح واللجوء برز كائن آخر مرتبط بالمرأة السودانية إرتباط وثيقة ينافس الوطن في الأهمية ألا وهو (كائن العِدّة) الذي يبدو وكانه كائن اسطوري لكنه حقيقي وواقعي و أكثر ..

(العِدّة) عند السودانيات ليست مجرد أدوات مطبخ
إنها (مشروع حياة) و
(فلسفة وجود) و( إثبات ذات) و خطة خمسية غير مكتوبة…

في الحرب (السودانية السودانية) حين سُرقت البيوت .. و انكسرت الأبواب ..و نُهب الأثاث .. كان الصوت الأكثر وجعاً ومعبراً عن احساس صادق في كثير من البيوت هو:-

*(والله ملعقة ما خلوها لينا!)*

وكأن الحرب لم تكن على البلاد بل على (العِدة) و (طقم الملاعق) .. و (أصغر العدة احبها للنفس) وهو (الملعقة) .. بل إن بعضهن بصدق عاطفي كامل بكين على(العِدّة) كما يُبكى على صديق قديم .. و تذكرتُ حينها مشهد الزعيم عادل إمام وهو يقول بخوف طفولي:-
(بصراحة أنا خفت على العِدّة)
لكن يبدو أن الخوف على (العِدّة) ليس مشهداً تمثيلياً كوميدياً عندنا بل عقيدة منزلية راسخة ..

بعد ان جُمل (عدمونا الحبة) وعبارات (معلقة ما خلوها) تأتي المفارقة الكبرى أن الحرب لم تغير السلوك ..
فبمجرد أن استقرت بعض الأسر في دول اللجوء أو المنافي القسرية بدأ مشروع جديد هو إعادة تكوين العِدّة
و(لِقيط العِدّة) أصبح برنامجاً يومياً خصوصاً مع الترويج المصنوع للعودة ..

فما إن بدأت حملات مكثفة تتحدث عن (العودة) و عن (استقرار الأوضاع) و عن (الحياة الطبيعية التي تعود تدريجياً) حتى بدأت معركة جديدة في الأسواق ..دعاية العودة لم تُقنع الجميع بالاطمئنان السياسي .. لكنها أقنعت كثير من السودانيات بشيء آخر هو أن الوقت قد حان لإعادة شراء و (لقيط العِدّة)

بدأت النساء في مهاجرهن القسرية ينتظرن فرص الخصومات .. التنزبلات ..و بشارات عروض( ثلاثة و واحد هدية )

في الوقت الذي تعتمد فيه معظم الأسر اعتماداً شبه كاملاً على تحويلات الأبناء المغتربين أو الأخ أو حتي الصديق الكريم .. يتجه جزء معتبر من هذه التحويلات إلى:-
طقوم الطعام .. طقوم الشاي .. طقوم العصير
خلاطات .. طقوم الصيني .. والبايركس .. والملمين .. حلة ضغط كبيرة .. واخري صغيرة
طقم حلل .. طقم سلطة فواكه طقم جلي وكاسترد
..ملايات جديدة ووو …
وملاعق احتياطية… تحسباً لأي عدوان قادم …

السؤال المشروع بعيداً عن العاطفة هو:-

هل (العِدّة) أولوية في ظل حرب لم تنتهِ بعد؟؟؟
هل الملايات الآن ضرورة استراتيجية؟؟؟
وهل لدينا ضمانات أن (العِدّة الجديدة) لن تواجه مصير سابقتها؟؟؟
ولماذا يروجون للعودة والامان والحرب لم تضع اوزارها بعد؟؟ .. يا تري ماهو مشروع من يروجون للعودة ؟؟؟

دعونا من العودة خلونا مع (الِعدة) مع ملاحظة الارتباط اللفظي والمعنوي بين العدة والعودة ..ما علينا..

(العِدّة ) عندهن هي المخزون الاستراتيجي غير المستخدم .. و الأطرف من ذلك أن جزءً كبيراً من (العِدّة المسروقة) أصلاً كان تعيش حياة مترفة داخل الدواليب الزجاجية .. لا تخرج إلا في المناسبات الكبرى .. (قاعدة للفرجة) وزينة (عندنا عِدة صااح)
الطقم (الرسمي ) الذي لا يُمس اطلاقاً ..الملاعق التي تنتظر ضيوفاً (X size) بحجم وزراء .. سنوات طويلة لم تُستخدم ..لكن وجودها كان يمنح شعوراً بالأمان لـ(ست البيت) .. وكأن البيت بلا( عِدّة) كاملة بيت ( ناقص السيادة) … سبحان الله ما الحاجة لدستة صواني نيكل للطعام واتنين دستة صواني مثلها للشراب ؟؟؟ ..

وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية ربما ليست (العِدّة ) هي المقصودة…
بل الإحساس بالاستقرار ..
المرأة التي فقدت بيتها .. وفقدت روتينها .. وفقدت مطبخها .. تحاول بوعي أو دون وعي أن تعيد تكوين شيء ملموس تقول به لنفسها :-
(ما زلت قادرة أن أبدأ) و ما زلت (ست البيت) و( ست الدار) و(ست الميز) والميز ستو هييييي……

اننا امام فرص ضائعة للتغيير ..الحرب رغم قسوتها تفتح أحياناً باب مراجعة كبير جداً مراجعة العادات الاستهلاكية ..
مراجعة مفهوم (الجاهزية)
مراجعة فكرة أن قيمة البيت في عدد الطقوم المخزنة ..
ماذا لو تحولت التحويلات من الابناء او الاخوان والاصدقاء إلى :-
تعليم ..تدريب مهني .. تدبير منزلي .. مشروع صغير .. ادخار آمن .. استثمار في مهارة ..
ماذا لو خرجنا من فلسفة (الطقم الاحتياطي) إلى فلسفة (الفرصة الإحتياطية؟؟)
ليس المطلوب إلغاء (العِدّة)
فلا بيت بلا قدور و صحون
لكن السؤال هل نحتاج ثلاثة أطقم ونحن لا نملك استقراراً واحداً؟

الوطن بعد الإعلان الرسمي بإنتهاء الحرب في حاجة إلى إعادة إعمار … و إعادة الإعمار تبدأ بالعقل قبل الأسمنت .. بالسلوك قبل الأثاث .. إذا استمرت الحرب في مستوى التأجيج الحالي وتكاثرت المليشيات وتعددت مراكز السلاح فإن *لا العِدّة ستبقى و لا الدولاب سيصمد*
حينها لن يكون السؤال:-

*(كم طقم اشترينا؟) .. بل (هل استثمرنا في ما يُبقي الحياة ممكنة؟)*
في النهاية المرأة السودانية ليست عِدّة ولا المطبخ هو معركتها الكبرى طالما ان التغيير يبدأ منها .. لكن ربما حان الوقت لنسأل بلطف ساخر:-
*هل نُعيد تكوين دواليب العدة أم نُعيد تكوين طريقة التفكير؟؟؟*

اخيراً نصيحتي للعائدات رغم ان قرار العودة قرار شخصي فإن عدتي فـ(حلة و صحنين احدهما كبير و مقصوصة او مفراكة من السوق المحلي كافية جداً في الوقت الراهن .. و(بتقضي الغرض) .. فالحرب ما زالت مستمرة .. و عند اعلان وقف الحرب يمكن ان تفكروا في العودة و(بناء العدة) من جديد او تكون طريقة التفكير قد تغييرت وهذا هو المطلوب….

سلام
محمد طلب
23/2/2026
mtalab437@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.