منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*تأنيث الإعلام .. بين المهنية و المجاملة* إدريس البغدادي

0

*تأنيث الإعلام .. بين المهنية و المجاملة*

 

إدريس البغدادي

 

قبل إندلاع الحرب برزت شخصية نسائية نجحت في “التغلغل” بعمق داخل الأوساط الإعلامية و السياسية ، مستخدمةً هذا الغطاء للوصول إلى الدائرة اللصيقة بقائد ثاني الدعم السريع . هذا الإختراق الذي رصدته مخابرات غربية فقررت تجنيد تلك الشخصية النسائية لتنتزع كروت ضغط و معلومات بالغة الحساسية و طرف ثالث يراقب كل تلك التفاصيل ، هو المخابرات السودانية التي نجحت في قطع عملية تسفيرها ، و مع إندلاع الحرب حرصت المليشيا على وضع يدها عليها و من ثم إصطحابها معها إلى نيالا و إبقائها تحت قبضتها خشية إستخدام ما تملكه من تفاصيل و أسرار عن قائدها الثاني .. إنها قصة (الإختراق الناعم) الذي يستهدف كبار المسؤولين و من ورائهم قضايا و مصالح الوطن التي يمكن ان تنسفها غفلة عابرة أو ثقة زائدة أو نزوة سافرة .

*بين المهنة و الفراغ*
في هذا السياق يجب أن نفرق بصرامة بين مدرستين .. مدرسة الإعلاميات المحترفات اللواتي بدأن حياتهن في دهاليز الصحف و المؤسسات الإعلامية الرصينة و بنيّن أسماءهن و مؤسساتهن بعرق الجبين و صمود الأقلام و بين أولئك (الآتيات من فراغ) اللواتي لم يسبق لهن ممارسة المهنة حقيقةً بل هبطن على الوسط الإعلامي و السياسي كـ “واجهات” تُصنع بعناية في مختبرات النفوذ لتأدية أدوار مرسومة أو أن يكون هبوطهن من خلال ثغرة الضعف و المعادلة الثلاثية الأبعاد (الجمال و السلطة و المال) .

*الصعود المريب ..*
إرتبط هذا الصعود “غير المريح” بظاهرة غريبة .. إعلاميات ناشئات يمتلكن فجأة منصات ضخمة و يقمن فعاليات كبيرة برعاية معلنة أو مستترة من مسؤولين كبار أو رجال أعمال و مال أو يتسللن لمواقع مرموقة في مؤسسات إعلامية كبيرة .. إن هذا التدفق لا يعبر عن تجارب عصامية بل عن عملية “تمويل” واضحة الأهداف ، حيث تحولت الرعاية من دعم للإبداع إلى إستثمار في أدوات ناعمة قادرة على تمهيد الطرق الوعرة أو أن يكون ذلك عفويا من خلال ما يجمع بين الرجل و المرأة من نزوات و رغبات و قد أصبح الهمس في المجالس جهرا ، فخلف كل صعود مريب يقف “صاحب حظوة” قرر صناعة هذه النجومية لتكون (واجهة) لمصالحه أو (خلفية) لنزواته .

*السلطة و المال و الضعف .* .
يتغذى هذا الصعود المصطنع على “ثغرة نفسية” أزلية فالرجل ، مهما علا شأنه قد يمتلك ضعفاً فطرياً أمام المرأة و هو ما يتم توظيفه اليوم “مؤسسياً”. و بدلاً من أن يكون الطريق إلى مراكز القرار محفوفاً بالكفاءة و التأهيل أصبح يمر عبر “الكاميرا” و بريق النجومية المصنوعة في غرف المسؤولين و رجال المال و الأعمال ، مما حول الإعلامية “الواجهة” إلى جسر يربط بين المسؤول و مراكز قوى أخرى داخل وسطها الإعلامي و السياسي الذي تتحرك فيه و تصطنع إنتسابها إليه في عملية تشبه “هندسة العلاقات” أكثر من كونها صحافة إستقصائية.

*المخابرات و المرأة ..*
تاريخياً .. كان دور المرأة في أجهزة الإستخبارات محورياً لقدرتها على الإختراق و تليين المواقف الصلبة و يبدو أن هذا القياس ينسحب اليوم على “السياسة و الحكم”. فما حدث من اختراق للمليشيا ليس استثناءً ، بل هو نموذج لما يمكن أن يفعله “رجل الظل” عندما يرى في دعم إعلامية “استثماراً في الجمال و الولاء” ، مما يخلق مشهداً مشوهاً يمتزج فيه غرام السياسة و المال بالفساد و تآكل هيبة المؤسسات الوطنية و الإقتصادية على صعيديها العام و الخاص .

*ضريبة التسطيح و ظلم الكفاءات*
إن أثر هذا “التأنيث الهش” كارثي فهو لا يؤدي فقط إلى تسطيح الوعي بل يمارس ظلماً فادحاً ضد الإعلاميات الموهوبات فعلاً اللواتي يجدن أنفسهن متواريات خلف غبار الوجوه الصاعدة بلا فكرة . إن المجاملة التي تمارسها مراكز القوى تجاه نساء “بلا قدرات” تسيء لتاريخ المرأة السودانية المناضلة و تستبدل “العقل” بـ “الواجهة”، و”الموهبة” بـ “الرعاية المستترة”

*إستعادة المهنة*
ختاما .. إن معركتنا ليست ضد وجود المرأة في الإعلام ، بل هي معركة لإستعادة “قدسية المهنة” من أنياب المجاملات و نزوات النفوذ. السودان اليوم يحتاج إلى “عقول” تدير الحوار و تصون الأسرار ، لا إلى “أقنعة” تقتات على فتات الرعايات المشبوهة ، بينما تخفي خلف كواليسها خيوط اختراق قد تبيع الوطن لمن يدفع أكثر في مزاد الاستخبارات العالمية .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.