*أراء و تحليلات خبراء الفكر الإستراتيجي في مواقف (تقدم و تأسيس)* إعداد / الشاذلي حامد المادح
*أراء و تحليلات خبراء الفكر الإستراتيجي في مواقف (تقدم و تأسيس)*
إعداد / الشاذلي حامد المادح
تُمثل القوى المدنية التي ترتمي في أحضان الأجندات الخارجية و تتحالف مع المليشيات ظاهرة “الوكالة الوظيفية” .. حيث يتم إستبدال القاعدة الشعبية بالتمويل الدولي و السيادة الوطنية بالإستضافة في الفنادق .. إن مساواة هذه النخب لجيش بلادها بكيانات مسلحة مرتكبة للفظائع ليس مجرد “سقوط أخلاقي” ، بل هو إستراتيجية ممنهجة لتفكيك الدولة .. و فيما يلي إستعراض لما وصفه عمالقة الفكر الإستراتيجي و السياسي العالمي حول مآل هذه النخب و توصيفهم العلمي لهذا بالإنتحار السياسي :
* فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) .. أستاذ السيادة و حكم القانون بجامعة ستانفورد و أبرز منظري “بناء الدولة” في العصر الحديث : يرى فوكوياما أن هذه النخب تمثل حالة “الإضمحلال السياسي” ، فعندما تنفصل النخبة عن مصالح شعبها و تصبح “وكيلة” لأجندات خارجية أو قوى مسلحة موازية ، فإنها تفقد قدرتها على قيادة التحول الديمقراطي و يؤكد أن المؤسسات الوطنية (وعلى رأسها الجيش) هي العمود الفقري للدولة و أي محاولة لتفكيكها أو مساواتها بالمليشيات من قبل المدنيين تؤدي حتماً إلى إنهيار الدولة و تحولها إلى “دولة فاشلة” لا تجد هذه النخب فيها مكاناً للحكم .
* جون ميرشايمر (John Mearsheimer) .. أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو و منظر مدرسة “الواقعية الهجومية” و الاستراتيجية الدولية : يصف ميرشايمر هؤلاء بأنهم “أدوات وظيفية” في لعبة شطرنج دولية كبرى . و يرى أن النخب التي تضع ثقتها في الخارج للوصول للسلطة تعيش “وهماً” كبيراً ، لأن القوى الدولية براغماتية بطبعها و سوف تتخلص من هؤلاء الوكلاء بمجرد إنتهاء صلاحيتهم أو تغير المصالح . التحالف مع الخارج ضد المصالح الوطنية العميقة هو “إنتحار سياسي” لأن الشرعية الحقيقية تنبع من الداخل و القوى التي تأتي بتمويل أو حماية أجنبية تظل منبوذة و فاقدة للأهلية الوطنية .
* صامويل هنتنغتون (Samuel Huntington) .. مدير معهد الدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد، والمؤسس لعلم “العلاقات المدنية العسكرية” : يحلل هنتنغتون هذا السلوك كجريمة في حق “الإستقرار الوطني” . و يؤكد أن النخبة السياسية التي تهاجم جيش بلادها أو تضعه في كفة واحدة مع “مليشيا” غير نظامية ، إنما تدمر الأداة الوحيدة التي تمنع إنزلاق المجتمع نحو الفوضى الشاملة . القارئ يجب أن يدرك، حسب هنتنغتون ، أن الشعوب في لحظات الخطر الوجودي تختار دائماً “المؤسسة السيادية” (الجيش) ، بينما يُحكم على السياسيين الذين تماهوا مع المليشيا بالعزلة التاريخية و النبذ الاجتماعي .
* ستيفن والت (Stephen Walt) .. أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة كينيدي بجامعة هارفارد، وصاحب نظرية “توازن التهديد” : يركز والت على “أزمة الشرعية المتولدة عن الإرتهان” . و يوضح أن القوى المدنية التي تُستضاف و تُموَّل من الخارج تفقد إستقلال قرارها و تصبح لغتها السياسية صدى لمطالب “الممول” لا “المواطن” . هذا الإرتهان يجعلهم غير قادرين على بناء عقد إجتماعي مع شعبهم ، لأنهم يُنظر إليهم كعناصر “مستوردة” تحاول فرض واقع سياسي يخدم القوى الإقليمية و الدولية على حساب سيادة وطنهم .
* نوام تشومسكي (Noam Chomsky) .. فيلسوف و مؤرخ و محلل جيوسياسي، يُعد من أبرز نقاد الهيمنة الدولية في العصر الحديث : يكشف تشومسكي ما يسميه “النخب الكومبرادورية” (الوسيطة) و هي مجموعات تلبس ثوب “المدنية و الديمقراطية” لكنها تؤدي دوراً وظيفياً لتمرير مشاريع القوى الكبرى . يحلل تشومسكي صمت هذه النخب عن انتهاكات المليشيات بأنه “توجيه إعلامي” مدفوع الأجر ، حيث يتم التغاضي عن الجرائم لتسهيل مسار سياسي معين . مآل هذه النخب في تحليل تشومسكي هو “السقوط الأخلاقي المدوي” بمجرد إنكشاف حجم التواطؤ بين الأجندة الخارجية و المليشيا على حساب دماء المواطنين .
* روبرت كابلان (Robert D. Kaplan) .. خبير جيوسياسي أمريكي ، مستشار سابق في البنتاغون و عضو بارز في “مركز الأمن الأمريكي الجديد” : يطرح كابلان مفهوم “الفوضى القادمة” الناتجة عن تآكل هيبة الدولة . و يرى أن النخب المدنية التي تضع يدها في يد “أمراء الحرب” أو “المليشيات” و تستقوي بالخارج لإضعاف جيشها الوطني ، إنما تفتح أبواب الجحيم على بلدانها . يحلل كابلان مآل هؤلاء بأنهم يصبحون “لاجئين سياسيين دائمين” ، لأنهم يفقدون القدرة على حكم مجتمع دمره “حلفاؤهم الميدانيون” و ينتهي بهم الأمر كأصوات صراخ من العواصم الغربية بلا أي تأثير حقيقي على الأرض .
* برتراند بادي (Bertrand Badie) .. بروفيسور فرنسي متخصص في العلاقات الدولية بمعهد الدراسات السياسية بباريس (Sciences Po) : يحلل بادي ظاهرة “السيادة المفقودة”، و يصف هذه النخب بأنها تعاني من “عقدة التبعية”. و يرى أن لجوءهم للصرف المالي و الإستضافة الخارجية يحولهم إلى “وسطاء لا قادة”. التحليل الإستراتيجي لبادي يشير إلى أن هؤلاء يرتكبون خطأً قاتلاً بمساواة “الدولة” بـ “العصابة” ، لأنهم بذلك يرفعون الغطاء القانوني عن أنفسهم مستقبلاً ، فمن يشرعن وجود المليشيا اليوم ، لن يجد قانوناً يحميه من تغولها عليه غداً .
* إدوارد لوتواك (Edward Luttwak) .. إستراتيجي و مؤرخ عسكري ، مستشار سابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي و وزارة الدفاع : يشتهر لوتواك بتحليله لـ “منطق الفعل الإستراتيجي” . يرى أن النخب المدنية التي تتحرك ضد جيش بلادها في وقت الحرب تُصنف استراتيجياً كـ “طابور خامس” ، حتى و إن تجمّلت بشعارات السلام و المدنية . و يؤكد أن ميزان القوى لا يرحم؛ط ، فالمجتمع الدولي قد يستخدم هؤلاء “المدنيين” لإبتزاز الدولة ، لكنه في النهاية سيعقد الصفقات مع من يملك القوة و المشروعية الأرضية ، تاركاً النخب “المنبوذة شعبياً” خلف ظهره كأوراق محروقة .
* كينيث والتز (Kenneth Waltz) .. أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا ، و مؤسس مدرسة “الواقعية البنيوية” : يحلل والتز سلوك هذه النخب من زاوية “البقاء في النظام الدولي” . و يرى أن ارتهان النخبة لـ “المال و النفوذ الإقليمي” يسلبها “العقلانية السياسية” . هؤلاء السياسيون يصبحون غير قادرين على رؤية المصلحة الوطنية العليا لأن رؤيتهم محصورة في “أجندة الممول” . النتيجة في تحليل والتز هي “الإقصاء الذاتي” ، حيث ينتهي دورهم بمجرد فشل القوى الخارجية في فرض إرادتها و يصبحون غير قابلين للإندماج مجدداً في النسيج الوطني .
* ثيدورا سكاكبول (Theda Skocpol) .. عالمة إجتماع و سياسة بجامعة هارفارد ، متخصصة في دراسة الثورات و إنهيار الدول : تحلل سكاكبول “تآكل القواعد الشعبية”. و تؤكد أن أي قوة سياسية تعتمد على “الدعم و الضيافة الخارجية” و تغض الطرف عن إنتهاكات حلفائها العسكريين (المليشيات) ، تخسر ما يسمى بـ “رأس المال الإجتماعي” . الشعب ، في تحليلها ، قد يصبر على الأزمات لكنه لا يغفر “الخيانة الأخلاقية” المتمثلة في مساواة الجلاد (المليشيا) بالضحية أو بحامي الحمى (الجيش) ، مما يجعل هذه النخب “جثثاً سياسية” هامدة .
*ملخص التوصيف الموحد لهؤلاء الخبراء :*
تجتمع رؤى هؤلاء العمالقة على أن النخب التي تختار هذا المسار تُصاب بـ “العقم السياسي” فهي :
* عاجزة : لأنها لا تملك أدوات قوة ذاتية .
* تابعة : لأن قرارها يُصنع في مطابخ المخابرات أو غرف التمويل الخارجية .
* منتهية الصلاحية : لأنها راهنت على “لحظة ضعف الدولة” ، و عندما تستعيد الدولة عافيتها ، تجد هذه النخب نفسها خارج أسوار التاريخ و الجغرافيا .
