بين العودة والشك: كيف نتعامل مع انشقاقات التمرد؟ د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
بين العودة والشك: كيف نتعامل مع انشقاقات التمرد؟
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

أثارت الأنباء المتداولة في الأسافير حول عودة “النور القبة” إلى صفوف الدولة جدلًا واسعًا، بين مرحّب يرى فيها بارقة أمل، ومتحفّظ يتعامل معها بقدرٍ عالٍ من الحذر، وبين من يفسرها كبداية لانهيار التمرد، وآخرين يعتبرونها مجرد مناورة سياسية. وبغضّ النظر عن دقة التفاصيل أو توقيت الإعلان، فإن الأهم في هذه اللحظة ليس الشخص بقدر ما هو الدلالة: نحن أمام مشهد متحرك، وتحولات حقيقية داخل معسكرات الصراع.
إن تداول مثل هذه الأخبار يعكس واقعًا لا يمكن إنكاره، وهو أن الصراعات الممتدة تُنتج بالضرورة مراجعات داخلية، خاصة عندما تتغير موازين القوى أو تتعقد الحسابات. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، بل تُحسم أيضًا داخل العقول، حين يبدأ بعض الفاعلين في إعادة تقييم مواقفهم، والبحث عن مخارج أقل كلفة وأكثر واقعية.
إذا صحت عودة “النور القبة”، فإن ذلك يمكن قراءته من عدة زوايا. فقد يكون تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن الاستمرار في القتال الداخلي لا يؤدي إلا إلى مزيد من التمزق، وأن أي مشروع يُبنى على إضعاف الدولة هو مشروع خاسر في نهاية المطاف. وقد يكون أيضًا انعكاسًا لتحول في القناعات، حيث يدرك البعض أن “حضن الوطن” – رغم كل التحديات – يظل أوسع وأبقى من أي تحالفات عابرة أو رهانات خارجية.
كما لا يمكن استبعاد أن تكون هذه الخطوة بداية لسلسلة من الانشقاقات، وهو سيناريو مألوف في تاريخ النزاعات، حيث تبدأ التصدعات تدريجيًا ثم تتسع مع الوقت، خاصة عندما يشعر الأفراد أو الجماعات بأن الاستمرار في نفس المسار لم يعد مجديًا.
لكن، وعلى الجانب الآخر، فإن التعامل مع هذه التطورات يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي، بعيدًا عن الاندفاع أو التبسيط. فليس كل تغيير في الموقف يعكس تحولًا حقيقيًا في القناعات. والتاريخ القريب والبعيد مليء بأمثلة لقيادات غيّرت مواقعها وفقًا لمصالح آنية، لا وفق مراجعات مبدئية. ومن هنا، فإن التساؤل المشروع يظل قائمًا: هل نحن أمام تحول حقيقي، أم مجرد إعادة تموضع؟
إن هذا السؤال لا ينبغي أن يقودنا إلى التشكيك المطلق، كما لا ينبغي أن يدفعنا إلى القبول المطلق. فالدول لا تُدار بالعواطف، بل تُدار بمزيج من الواقعية والحكمة. ومن الخطأ أن نغلق الباب أمام كل من يرغب في العودة، لأن ذلك قد يدفع آخرين إلى الاستمرار في التمرد بدافع اليأس أو انعدام البدائل. كما أن من الخطأ، في المقابل، أن نفتح الأبواب دون ضوابط، فنقع في فخ تكرار الأخطاء.
إن المعادلة الصحيحة في مثل هذه الحالات تقوم على مبدأ “الاحتواء المشروط”. أي الترحيب بكل من يختار العودة إلى صف الوطن، ولكن ضمن إطار واضح يضمن جدية هذا التحول. فالوطن ليس ساحة مفتوحة للتجارب، بل كيان يجب حمايته من أي اختراق أو عبث.
ويعني ذلك عمليًا ضرورة وجود ترتيبات قانونية وأمنية دقيقة، تضمن أن تكون العودة قائمة على التزام حقيقي، لا مجرد إعلان إعلامي. كما يتطلب الأمر برامج لإعادة الدمج، تعالج جذور الأزمة، وتمنع إعادة إنتاجها في المستقبل. فالقضية ليست فقط في إنهاء التمرد، بل في بناء سلام مستدام يمنع تكرار نفس السيناريو.
وفي هذا السياق، يصبح دور المجتمع لا يقل أهمية عن دور الدولة. فخطاب الكراهية والإقصاء قد يعرقل أي فرصة للعودة، ويعمّق الانقسامات بدلًا من معالجتها. وفي المقابل، فإن التساهل المفرط قد يخلق حالة من فقدان الثقة لدى الضحايا أو المتضررين. لذلك، فإن المطلوب هو خطاب متوازن، يعلي من قيمة الوطن، ويضع مصلحته فوق كل اعتبار، دون أن يتجاهل العدالة أو يفرّط في الحقوق.
كما ينبغي الانتباه إلى أن أعداء الدول لا يعتمدون فقط على القوة المباشرة، بل يستغلون الانقسامات الداخلية كأداة أساسية لإضعافها. ومن هنا، فإن استمرار القطيعة الداخلية يمنح هؤلاء فرصة أكبر للتأثير والتخريب. بينما يسهم توحيد الصفوف – ولو تدريجيًا – في إغلاق هذه الثغرات، وتعزيز مناعة الدولة من الداخل.
إن اللحظة الراهنة تفرض علينا أن نرتقي بمقاربتنا، وأن نخرج من ثنائية “مع أو ضد” إلى مساحة أوسع من التفكير الاستراتيجي. فليس المطلوب إصدار أحكام نهائية، بل بناء سياسات ذكية تستوعب التعقيد، وتتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون.
في النهاية، تبقى الحقيقة التي لا خلاف عليها:
أن الوطن أكبر من الأفراد، وأبقى من التحالفات، وأعمق من الخلافات العابرة.
وأنه لا يُبنى بالإقصاء المطلق الذي يغلق أبواب الأمل،
ولا يُحمى بالتساهل المطلق الذي يفتح أبواب الخطر،
بل يُصان بحكمةٍ تعرف متى تفتح الباب… ومتى تضع له الحارس.
وبين هذين الحدّين، تتحدد قدرة الدول على العبور من الأزمات إلى الاستقرار، ومن الانقسام إلى التماسك، ومن الصراع إلى المستقبل.
السودان اولاً
السودان بعد كل شي
