د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد : انهيار المليشيا المجرمة.
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد :
انهيار المليشيا المجرمة.
..
بعد ألف يوم من الحرب، قوات “آل دقلو” تواجه تفككًا غير مسبوق بين انشقاقات القيادة وخسائر الميدان وتصاعد الإدانة الدولية
فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، مثّلت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (“حميدتي”) أحد أبرز اللاعبين العسكريين في الصراع السوداني، مستفيدةً من ترسانتها العسكرية وخبرتها القتالية المتراكمة منذ أيام “الجنجويد” في دارفور. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن هذه القوة تقترب من لحظة انهيار تاريخي، لا يقتصر على التراجع العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل التصدع الداخلي والعزلة الإقليمية وتضاعف الضغوط الدولية.
لم يأتِ الانهيار الذي تطالعه الساحة السودانية اليوم من فراغ. ففي تحليل للمشهد نرى أن الانهيار السريع لقوات الدعم السريع يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها التكتيكات والإستراتيجيات التي اعتمدها الجيش السوداني في قتاله مع هذه القوات، مشيرًا إلى أن قوات الدعم السريع “عجزت دومًا عن الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها، لأن طبيعتها هجومية”. فالجيش، وفق الرؤية التحليلية، استهدف الكتل الصلبة داخل هذه القوات، وقام بعزلها وحصارها وتطويقها ثم الانقضاض عليها.
هذا الانهيار “يرجع لعدة أسباب، منها التخطيط الجيد لإدارة المعركة”، فيما لاحظ مراقبون أن قوات الدعم السريع في الخرطوم انعزلت عن بعضها البعض وافتقدت القيادة والتوجيه العسكري الميداني، وهي “بذرة الانهيار”.
على المستوى العملياتي، تتحدث المصادر العسكرية عن خسائر بشرية ومادية كبيرة ألمّت بقوات الدعم السريع، تتوزع على جبهات متعددة.
في مارس 2026، أعلن الجيش السوداني مقتل 94 عنصرًا من قوات الدعم السريع خلال تصديه لهجوم في منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق، مع تدمير 4 مركبات قتالية وأسر العديد من العناصر. ولم يصدر تعقيب فوري من قوات الدعم السريع بشأن هذا البيان.وهذا قليل من كثير كمثال. فقتلاهم بالآلاف.
الطائرات المسيّرة، التي كانت لسنوات سلاحًا مميزًا بيد المليشيا، تحولت إلى هدف للجيش السوداني، الذي أعلن مرارًا إسقاط مسيّرات تابعة للدعم السريع. ففي فبراير 2026، أسقط الجيش طائرة مسيّرة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وفي أوائل يناير من العام نفسه، أعلن إسقاط مسيرات حاولت استهداف سد مروي، ومقر قاعدتين عسكريتين. وبحلول 10 فبراير، أعلن الجيش تدمير طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي تابعة لقوات الدعم السريع.
ربما كان الحدث الأكثر دلالة على تفكك “الدعم السريع” هو انشقاق اللواء النور القُبة في أبريل 2026، أحد أبرز القيادات الميدانية في المليشيا بدارفور، الذي انضم إلى صفوف القوات المسلحة.
المحللون لم يقرؤوا الانشقاق كحادثة فردية عابرة، بل كصفعة مباشرة في قلب التمرد تكشف أن ما يُروّج له كتماسك ليس سوى غطاء هش يتآكل من الداخل. فالانشقاق لم يأتِ من فراغ؛ إذ سبقه توتر متصاعد داخل مدينة كتم، حيث فرضت المليشيا طوقًا أمنيًا مشددًا على مناطق المحاميد، مع اتهامات مباشرة بتسريب الإحداثيات، وإجراءات قسرية شملت سحب العربات القتالية والتشكيك في ولاء عناصرها، في مشهد كشف حجم التصدع داخل البنية القتالية.
اللواء النور قُبة لم يخرج وحده، بل خرج ومعه دلالة أخطر: أن الولاء داخل هذه القوة ليس للدولة ولا حتى للمؤسسة، بل لأشخاص محددين على رأسهم محمد حمدان دقلو، وعندما يهتز هذا الولاء، “فهي بداية النهاية”. والمخاوف الأكبر: أن انشقاقه يكسر حاجز الخوف؛ فبعد أول انشقاق نوعي، يصبح السؤال داخل معسكر المليشيا: “من التالي؟”
وبالفعل، انضمت مجموعتان من الدعم السريع بقيادة النور قُبة وغيره، ومعهم 80 عربة قتالية تنحاز للجيش السوداني. وتمثل هذه الانشقاقات ضربة معنوية وعملية كبيرة، تترجم واقعًا يقول إن “معسكر التمرد لم يعد مغلقًا كما كان”.
الانهيار لا يمكن فهمه بمعزل عن الدعم الإقليمي الذي طالما حظيت به قوات الدعم السريع. وفق تقرير لمنظمات سودانية وعربية وأفريقية، تؤدي دولة الإمارات دور البوابة الرئيسية لتهريب الأسلحة والأموال إلى السودان لصالح قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما جريمة الإبادة الجماعية.
في يناير 2026، وردت تقارير عن غارات جوية مصرية سرية ومتعددة ضد قوافل أسلحة إماراتية متجهة إلى قوات الدعم السريع في ليبيا والسودان. ورغم هذه التطورات، لم يُبذل سوى القليل من الجهد لمحاسبة دولة الإمارات أو غيرها من الحكومات التي تقدم الدعم والأسلحة.
تواجه قوات الدعم السريع عزلة دولية متصاعدة، ففي 25 فبراير 2026، أدان مجلس الأمن الدولي استمرار هجمات قوات الدعم السريع وزعزعة الاستقرار في إقليم كردفان، مستنكرًا الانتهاكات بحق المدنيين، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
وبعد يوم واحد، في 26 فبراير، قال بيان لوزراء خارجية المجموعة الأساسية بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن أعمال العنف التي ترتكبها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر تحمل “سمات الإبادة الجماعية” ، وخلصت المجموعة إلى أن العنف الذي تقوده قوات الدعم السريع يُعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما أفاد تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 13 فبراير 2026 بأن قوات الدعم السريع شنت “موجة عنف شديدة مروعة في نطاق وحشيتها” خلال هجومها الأخير للسيطرة على الفاشر. وفي الشأن نفسه، أعلنت دول ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج وبريطانيا اعتزامها تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع في السودان.
عكست التطورات في مدينة الطينة بولاية شمال دارفور تعقيد الموقف الميداني بشكل كبير. في 21 فبراير 2026، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على “آخر معاقل القوات المسلحة السودانية” في أقصى شمال دارفور، لكنّ الجيش والقوات المشتركة نفوا السقوط، مؤكدين أن السيطرة عادت للجيش بعد نحو ساعتين من “التسلل الأولي”، وأن قوات الدعم السريع انسحبت مخلفة وراءها آليات وقتلى.
والأخطر أن النيران امتدت إلى العمق التشادي، حيث توغلت عناصر من الدعم السريع عبر الوادي الفاصل، مما أدى لاندلاع اشتباكات عنيفة مع الجيش التشادي، وإحياء التوترات الحدودية وزيادة المخاوف من انزلاق المنطقة نحو صراع إقليمي واسعِ
إذن لم يعد “الدعم السريع” مجرد قوة صدمة، ولم يتحول إلى دولة بديلة. الأرقام تتحدث: 150 ألف قتيل، 14 مليون نازح، تحذيرات دولية من الإبادة الجماعية، انشقاقات قيادية نوعية، وميدان يتحول من هجومي إلى دفاعي ثم إلى انسحاب مهزوز.
ما يجري في دارفور وكردفان ليس مجرد تراجع ميداني… بل بداية انهيار يتشكل من داخل المليشيا نفسها.
المليشيا المجرمة تنهار.
نقطة سطر جديد.
